21
بوبر يقول: كلا يجب أن نحفظ لكل نظرية بمكانها من التاريخ، تاريخ العلم، فطالما أنها ساعدت يوما على التقدم فلها فضل على علمنا اليوم وبعض النظريات الخاطئة، بما أثارته من مشاكل، دفعت إلى التقدم أكثر مما دفعت إليه نظريات أخرى أقرب منها إلى الصدق، كل هذا بالإضافة إلى أن أية نظرية مهما كانت، مصيرها المحتوم هو التكذيب يوما ما.
يمكننا أن نجد أدلة كثيرة من هذه الفلسفة الخصيبة، كنظرية التغير التي فتحتها المدرسة الأيونية بأنكسمندر طبعا، وبلغت ذروتها في معالجة هيراقليطس لها، وكنظرية ديمقريطس في الذرة ... ولكن حسبنا هذا المثال الناصع من الفكر القديم، الذي أوضح أن التفكير النقدي هو سر تقدم النظريات، وأن الملاحظة الاستقرائية، وإن كانت تفضي إلى شيء فهو العرقلة والتشويش والإرباك، وليس النظرية العلمية، لننتقل إلى مثال آخر من الفكر الأكثر تقدما، والذي قد يرضي الجميع على أن الحديث عنه منتم للعلم. (3) مثال آخر: توصل كوبرنيقوس
Copernicus (1473-1543م) إلى فرضه بمركزية الشمس، لم يكن نتيجة لملاحظات استقرائية جديدة قام بها.
فقد ولد كوبرنيقوس في ثورن ببروسيا، وتلقى دروسه على يد معلم أفلاطوني يشك في الفلك القديم،
22
وفرضه الهليوسنتري كان تأويلا جديدا لحقائق قديمة معروفة جيدا على ضوء الأفكار الأفلاطونية - المحدثة، الشبه - دينية، ويمكننا تتبع فكرة كوبرنيقوس هذه إلى الكتاب السادس في جمهورية أفلاطون، حيث نجد أن الشمس تلعب في مجال رؤية الأشياء نفس الدور الذي تلعبه فكرة الخير في مجال الأفكار، وفكرة الحق في أعلى الترتيب الهيرارشي للأشياء المرئية.
23
وكان لهذه الفكرة أهمية بارزة من ضمن أفكار كثيرة أقيمت عليها الأفلاطونية المحدثة، ولا سيما الأفلاطونية المحدثة المسيحية.
فإذا كان للشمس فخر المكان، وكانت مميزة بمنزلها القدسية في هيرارشية الأشياء المرئية فحينئذ يصعب اعتبارها تدور حول الأرض، والمكان الوحيد الملائم لهذا النجم العظيم، هو مركز الكون، وعلى هذا تصبح الأرض قريبة من الدوران حول الشمس.
24
هكذا أخذ كوبرنيقوس فرضه من الخلفية العلمية السابقة عليه، من الأفكار الميثولوجية، ولما كان هو عالما أصيلا، فقد عمل بجد ومثابرة على اختبار فرضه في ضوء الملاحظات، لكن الفرض العلمي أتى أولا كما هو ثابت من سيرته، وليس بعد الملاحظة الاستقرائية. (4) أما يوهان كبلر
Kepler (1571-1630م)، فهو كوبرنيقي وكان - كأفلاطون - متأثرا بعمق بفكرة الأعداد المقدسة الفيثاغورية، وقد كرس حياته لاكتشاف معين كان يأمل فيه، هو اكتشاف القوانين الرياضية، التي تحكم النظام الفلكي، ومدارات النظام الشمسي الكوبرنيقوسي لا سيما القوانين التي تحكم الأبعاد النسبية عن الشمس، رائع هو اقتناعه بأن الفلك محكوم بقوانين يمكن التعبير عنها رياضيا، إن كان لم يتوصل أبدا إلى كشفه المأمول هذا.
كان كبلر تلميذ العالم العظيم تيكو براهة (+1601) ومساعدا له، وقد ترك تيكو لتلميذه مجموعة من الملاحظات الاستقرائية لم يكن قد نشرها، إلا أن كبلر لم يجد فيها تعضيدا لاعتقاده في الكشف المأمول، بل العكس وجد في هذه الملاحظات تفنيدا لافتراضه الدائري، فتركه وحاول - بلا جدوى - الحصول على حلول أخرى مختلفة، وفجأة توصل إلى أعظم كشوفه، وهي الفرض الإهليجي أو البيضاوي، ثم وجد أن ملاحظات تيكو براهة يمكن أن تتفق مع هذا الفرض الجديد فقط مع الافتراض المسبق - غير المرحب به - بأن سرعة المريخ في الدوران ليست واحدة.
إذن الملاحظات في حد ذاتها لا تفضي إلى شيء، فلدى كبلر مجموعة ملاحظات تركها له أستاذه، ولكن لديه ذهن العالم، يضع الفروض، على ضوء هذه الفروض يحاول تفسير الملاحظات فأخفق في محاولة ونجح في أخرى، بل وإن عدم دقة هذه الملاحظات كانت عاملا في عرقلة فكرة عظيمة اعتقد فيها.