10
كل هذا سابق منطقيا وزمانيا على الملاحظة التجريبية، وعلى إدراك المتشابهات والحكم عليها بأنها تكرارات.
بعبارة أخرى، أية ملاحظة يمارسها العالم لا بد وأن تكون ملقحة قبلا بنظرية معينة، بافتراض معين، نبت في ذهنه فألجأه إلى ملاحظات معينة، بل وأية ملاحظة يمارسها أي كائن حي لا بد وأن تكون ملقحة قبلا بتوقع سابق.
ولتوضيح ذلك نفترض معا أننا نستطيع - ونحن بلا شك نستطيع - بناء آلة استقرائية، ونضعها في عالم مبسط، هذه الآلة تتعلم أن تصوغ قوانين التعاقب المعمول بها في عالمها من خلال التكرارات، يبدو الآن أن افتراض الاستقراء سليم، فإذا كانت الآلة قادرة على ممارسة الاستقراء على أساس التكرار، فليس هناك أسباب منطقية تمنعنا من أن نفعل المثل.
كلا، هذا خطأ، الأمر ليس كذلك، فبناة هذه الآلة الاستقرائية لا بد وأن يكونوا قد قرروا مسبقا ما هي مكونات عالمها وما الذي يؤخذ كمتماثلات، وما الذي يعتبر تكرارات، وأي نوع من القوانين يراد من الآلة أن تكتشفها في عالمها، بعبارة أخرى لا بد أن نبني داخل الآلة إطارا للعمل يحدد الملائم والمهم في عالمها؛ أي إن صناع الآلة قد حلوا مشكلة المتماثلات بالنسبة لها، فأصبح لها مبادئ انتقاء أولية مكنتها من ممارسة عملها واكتشاف القوانين.
11
وهذه المبادئ هي التوقعات الفطرية في سلوك الحياة اليومية، وهي الافتراضات الحدسية في ذهن العالم، والتي لا مناص من اعتبارها سابقة على أية ملاحظة، فيصبح لا مناص من إسقاط المنهج الاستقرائي كافتراض خاطئ. (4) إن النزاع الحاد بين بوبر والاستقرائيين يدور حول من الذي أتى أولا: الفرض أم الملاحظة؟ بوبر يقول الفرض، والاستقرائيون يقولون الملاحظة، وبوبر يضع تشبيها طريفا لهذا النزاع بالمشكلة التقليدية: من الذي أتى أولا الدجاجة أم البيضة؟
من الذي أتى أولا: الدجاجة «ج» أو البيضة «ض»؟
من الذي أتى أولا: الملاحظة «ج» أم الفرض «ض»؟
بوبر يجيب على كلا السؤالين ب «ض» بالنسبة للسؤال الأول فإن الإجابة عليه هي: نوع أولي بدائي من البيض «ض»، أما للسؤال الثاني فهي أيضا نوع أولي بدائي من الفرض «ض»، هي التوقعات الفطرية.
أي إن إنكار دور الملاحظة في التوصل إلى الفرض العلمي، لا يقصره بوبر على مراحل العلم البحت المتقدمة فحسب، بل ويسحب بوبر هذا الإنكار على البحث المعرفي في سائر مراحله حتى أشدها بدائية، فضلا عن مراحل العلم الوصفي.
ويخرج بوبر من هذا إلى استئناف هذا الإنكار بعيدا عن نطاق العلم في الحياة اليومية، وفي تعرف الكائن الحي على بيئته، وعلى البيئة الطبيعية من حوله، فليس عن طريق الملاحظة الحسية الخالصة، بل عن طريق المحاولة والخطأ.
ويجمل بنا أن نشير مرة أخرى إلى نقد هيوم المطروح في الفصل السابق، سنجد فيه تفنيدا لأي ادعاء بأن ملاحظة التكرارات لها أي أثر على الحياة السيكولوجية، ونشير إلى حله لمشكلتي الاستقراء السيكولوجية والبراجماتية، فقد انطوى حلهما على استبعاد أي دور للملاحظة الاستقرائية في الحياة السيكولوجية وفي التصرفات العملية، وهذا يعني إثبات ما نعنيه في هذه الفقرة؛ دور الملاحظة الاستقرائي لا وجود له في الحياة اليومية أيضا، وليس في العلم فحسب، هكذا أفكار بوبر دائما متشابكة ومترابطة ، الفصل التصنيفي بينها لا بد وأن يكون تعسفيا.
إن بوبر يتمادى في إنكار دور الملاحظة بالمفهوم الاستقرائي، أي بوصفها أولى الخطوات التي نبدأ بها من لا شيء، لا في العلم، ولا حتى في الحياة اليومية، ولا في سلوك الحيوان، فسلوك أي كائن حي لا يعدو أن يكون محاولة حل مشكلة للتكيف مع البيئة هي «م1
ح ح
أ أ
م2»، تبدأ بمشكلة وبافتراض لحلها ثم نخرج إلى التجريب لبحث هذا الحل، بهذا لا يكذب افتراض الملاحظة الاستقرائية كمقدمة للعمل في البحث العلمي فقط، بل وفي الحياة على كوكب الأرض بأسرها. (2) البرهان المنطقي (1) غير أن هذا الجدل الفلسفي قد لا ينتهي أبدا، فلنحسم الأمر بإثبات منطقي، إثبات استحالة أن تكون النظرية العلمية مشتقة من مجموعة من الملاحظات الحسية، وقد وضع بوبر هذا البرهان المنطقي وهو بصدد إثبات استحالة أن تكون نظرية نيوتن بالذات استقرائية، لكن بالطبع يمكن أن يعمم هذا الدليل على أية نظرية تدعي أنها استقرائية، لا سيما وأن نظرية نيوتن هي قمة العلم الاستقرائي كما يزعم الاستقرائيون. (2) هاك الدليل المنطقي: «ك»: فئة تتكون من أي عدد من عبارات الملاحظة الصادقة، فأية عبارة من الفئة «ك» تصف ملاحظة فعلية، أي حدثت في الماضي، وطالما أن كل العبارات «صادقة»، فهي متسقة