3
من الواضح أن هذه المجموعة من الملاحظات لا يمكن أن تبرهن على أي شيء أو تفضي إلى أي شيء.
وقد حاول بوبر أن يؤكد هذا أكثر، بأن بدأ إحدى محاضراته في فيينا بأن قال لطلاب الفيزياء: «أمسك بالقلم والورقة، لاحظ بعناية ودقة، سجل ما تلاحظه!» بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه، فعبارة «لاحظ» فحسب لا تعني شيئا وهي خلف محال.
4
العالم لا يلاحظ فحسب، الملاحظة دائما منتقاة، توجهها مشكلة مختارة من موضوع ما، ومهمة محددة، واهتمام معين، ووجهة من النظر، نريد من الملاحظة أن تختبرها، المشكلة هي ما يبدأ به العالم، وليس الملاحظة الخالصة كما يدعي الاستقرائيون، فماذا عساه أن يلاحظ ويسجل؟ بائع جرائد ينادي وآخر يصيح، وناقوس يدق، أم يلاحظ أن كل هذا يعرقل بحثه، حتى إن لاحظ بدقة ملاحظة علمية فحسب، فمهما كانت مجموعة الوقائع التي سيخرج بها كبيرة، فيستحيل أن تضيف للعلم؛ فالعالم يحتاج مسبقا لنظرية يلاحظ على أساسها.
5
إن العالم يبدأ بالحصيلة المعرفية السابقة التي يجدها في العالم 3، هي التي تحدد له موقف المشكلة وتعينه على فهمها، فيقدح عبقريته العلمية ليتوصل إلى الفرض العلمي الذي يستطيع حلها، وها هنا فقط يلجأ إلى الملاحظة ليختبر فرضه، إننا في حاجة إلى الفرض قبلا لنلاحظ على أساسه، لنفسر في ضوئه الملاحظات ونؤولها، ولنسألها بعد ذلك نعم أم لا، هل نجح الفرض أم لم ينجح؟
6
أما الافتراض الاستقرائي بأن الملاحظة هي الكنز الذي يستخرج منه العالم الدرر الثمينة، فلا معنى له. (3) لكن الاستقراء هو منهج تعميم التكرارات الملاحظة، هنا نقطة ذات أهمية قصوى هي التكرار، ما قاله بوبر الآن ينقصه تقدير دورها العظيم.
الواقع أن كل ما قاله بوبر في الفصل السابق في نقد هيوم هو رد حاسم على هذه النقطة، فقد رأينا بوبر ينفي أي أثر سيكولوجي للتكرار، أثبت استحالة أن يخلق اعتقادا سيكولوجيا في قانون، أو عادة عقلية سيكولوجية؛ أثبت هذا سيكولوجيا، أما بالنسبة لمنطق العلم - أي منهج البحث - فمن النقد المنطقي لهيوم نخرج بأن مفهوم التكرار يفترض مسبقا مفهوم التماثل، حتى نحكم على المتماثلات بأنها تكرارات، ومفهوم التماثل يفترض مسبقا نظرية أو توقعا،
7
يجعلنا نبحث عن متماثلات معينة؛ أي إن النظرية سابقة منطقيا على ملاحظة التكرار، وهي التي تجعله تكرارا، وليست هي التي تكون نتيجة أو تعميما له.
تماما كما فند بوبر الاطراد في الطبيعة، فقال: إن توقعاتنا الفطرية هي التي تبحث عنه فيها، يفند دور ملاحظة التكرارات في الاستقراء، فيقول: إن النظرية هي التي تبحث عنه لا تنبثق منه.
فالحالة الداخلية للكائن الحي هي التي تحدد ردود أفعاله بإزاء البيئة الخارجية، وهذا هو السبب في أننا نجد ردود أفعال مختلفة لنفس المثيرات، أو قد نجد ردود أفعال متماثلة لمثيرات مختلفة،
8
الحالة الداخلية للكائن الحي عليها معول كبير، فقد كتب عالم النفس كاتس
Katz
يقول: «يقسم الحيوان الجائع البيئة إلى أشياء قابلة للأكل، وأشياء غير قابلة للأكل، وحينما يشعر بالخطر لا يرى أمامه إلا أماكن الاختفاء وطرق الهروب.»
9
وبوبر يتخذ من هذا تأييدا له فهو برهان على أن الحاجة، أو النزوع النفسي شيء ما داخل النفس أو العقل يحكم الرؤية إلى الأشياء، فالأشياء تصنف وتصبح متماثلة أو غير متماثلة فقط عن طريق ارتباطها بالحاجات والاهتمامات، هذه القاعدة التي خرج بها كاتس من دراسة الحيوان، يطبقها بوبر على العلماء أيضا. بالنسبة للحيوان فإن وجهة نظره التي تحكم رؤياه مستمدة من حاجته في نفس اللحظة بالنسبة للعالم، فإن وجهة نظره مستمدة من المشكلة المعينة المطروحة للبحث، والنظريات التي يقبلها كخلفية علمية، والافتراض الذي يضعه لحل المشكلة،