تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحينما شب عن الطوق ورث عن أبيه العمل الاجتماعي من أجل الأطفال المهملين والأيتام.

ولما وضعت الحرب الأولى أوزارها (1919-1920م) ترك منزل والديه - رغم توسلاتهما - كي يستقل بنفسه، وكي لا يشكل عبئا عليهما؛ فقد أصبح أبوه شيخا جاوز الستين، فقد كل مدخراته في التضخم المالي الذي استشرى في أعقاب الحرب،

9

وأقام في مبنى قديم لمستشفى عسكري مهجور، حوله الطلبة لبيت طلاب بدائي جدا، فعمل بغير أجر في عيادة النفساني ألفرد أدلر، وبأجور زهيدة في أعمال أخرى كمساعد نجار أو تدريس أو تدريب لطلبة أمريكيين، ولم يكن يدخن أو يحتسي خمرا، كان يأكل قليلا ويرتدي رث الثياب، المتعة الوحيدة التي لم يستطع التخلي عنها هي التردد على حفلات الموسيقى السيمفونية، وكانت التذاكر رخيصة ولا سيما وأنه كان يستمع واقفا.

وبخلاف العمل الاجتماعي من أجل الأيتام، والموسيقى، كان اهتمام بوبر الثالث هو الفلسفات السياسية اليسارية، فقد أمضى إبان مراهقته ثلاثة أشهر ماركسيا، ولكنه انقلب بحماس إلى الاشتراكية الديمقراطية.

10 (3) أما عن دراساته، فكان بوبر يحضر محاضرات علوم مختلفة في جامعة فيينا؛ التاريخ، الأدب، علم النفس ، الفيزياء ... بل حتى العلوم الطبية، لكنه سرعان ما ترك هذا وقصر حضوره على محاضرات الفيزياء النظرية والرياضة البحتة، حيث كانت المحاضرات رائعة بحق.

11

وفي عام 1922م أصبح طالبا منتظما مقيدا بالجامعة، فأمضى عامين للحصول على إجازة للعمل في المدارس الابتدائية، حصل عليها إبان عمله كنجار، لكنه واصل دراساته حتى حصل على إجازة التدريس في المدارس الثانوية من معهد

Pedagogic Institution ، كان قد أنشئ حديثا وهو مستقل ولكنه مرتبط بالجامعة، حيث كانت بعض مقرراته إجباريا كعلم النفس، والبعض الآخر اختياريا،

12

في هذا المعهد تعرف بوبر على محبوبته، التي أصبحت زوجته حتى الآن، وما فتئ بوبر في كل موضع ينوه بفضلها، وفضل حبهما العظيم عليه. (4) وبعد تخرجه من الجامعة استأنف دراساته حتى حصل على شهادة

PH. D.

في الفلسفة، وكسب عيشه من العمل كمدرس طبيعة ورياضة في المدارس الثانوية، ولم يكن هذا شيئا يسيرا في النمسا آنذاك.

ونظرا لأنه ينحدر من أصول يهودية، فقد اضطر إلى الهجرة من النمسا عام 1937م؛ خوفا من النازية واتجه إلى نيوزيلاند حيث قضى سني الحرب وظل يدرس الفلسفة في جامعتها حتى عام 1945م، وفي عام 1946م هاجر إلى إنجلترا واستقر في إحدى ضواحي لندن - حتى الآن - إذ عمل أستاذا للمنطق ومناهج العلوم في جامعة لندن، وفي عام 1965م منح رتبة شرف في المجتمع الإنجليزي (لقب سير) وفي عام 1969م بلغ سن التقاعد. (5) أما عن أعماله: فقد بدأت بكتاب «منطق البحث العلمي»، وقد صدر بالألمانية عام 1933م وهو من أكثر كتب بوبر إيغالا في منطق العلم وفلسفته بالمعنى الفني الدقيق، وقد صدرت له ترجمة إنجليزية عام 1959م، بعنوان «منطق الكشف العلمي» وهي مصحوبة بملحق مطنب تحت عنوان «بعد عشرين عاما»، ولو كانت قد ظهرت هذه الترجمة قبل ذلك بربع قرن، لكان وجه الفلسفة الإنجليزية على صورة مغايرة تماما. مع ملاحظة أن بوبر يتقن اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية واللاتينية واليونانية فإن كتبه بعد ذلك كلها بالإنجليزية؛ لأنه اتخذ من إنجلترا موطنا، وهي «المجتمع المفتوح وخصومه» في جزأين عام 1946م، حيث ينادي بالديمقراطية الليبرالية، المفتوحة للمناقشة النقدية لكافة أنواع حلول المشاكل، ويحارب فيه الديكتاتورية وكافة الفلسفات المغلقة التي تحاول أن تحدد النظام السياسي الاجتماعي بأيديولوجية محددة، وأبرز الأمثلة: أفلاطون وهيجل وماركس، الذين ينقدهم بوبر نقدا لا يبقي منهم ولا يذر، ثم أعقبه «بعقم النزعة التاريخية» وهو أصلا مجموعة مقالات رفضت مجلة مايند

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٥