لم يتبن هذا الرأي العلماء التجريبيون فقط؛ فعالم الفلك البحت والرياضي الشهير سير هيرمان بوندي
Sir Herman Bondi
قال: «ببساطة ليس العلم شيئا أكثر من منهجه، وليس منهجه شيئا أكثر مما قاله بوبر.» فأثر بوبر إذن امتد ليشمل كلا من العلماء التجريبيين وعلماء العلوم البحتة. (ج)
وليس العلماء فقط، بل وبعض رجال السياسة من الوزراء البريطانيين في كل من الحزبين الأساسيين؛ حزب المحافظين وحزب العمال، على سبيل المثال: سير أنطوني كروسلاند، وسير إدوارد بويل
E. Boyle
يقرون أن أيديولوجياتهم السياسية متأثرة تماما بفلسفة بوبر. (د)
وبوبر أحد عشاق الفن ومتذوقيه ، يلعب الفن ولا سيما الموسيقى دورا كبيرا في حياته، ورغم أنه نادرا ما يتعرض في فلسفته للفن، فإن أثره يمتد حتى مؤرخي الفن؛ فمؤرخ الفن الكبير سير إرنست جومبريش
Sir Ernest Gombrich
يقول في كتابه «الفن والخداع
Art and Illusion » إنه سيشعر بالفخر لو أحس القارئ بأثر بوبر يشيع في كل مكان من هذا الكتاب.
5 (ه)
أما أشعيا برلين
Isaiah Berlin
فيصرح في كتابه الشهير عن سيرة كارل ماركس - وله ترجمة عربية - أن نقد بوبر للماركسية يمثل أخطر ما قد وجه لها من نقد حتى الآن. وهو يعتقد مع بريان ماجي أنه لا يمكن أن يطلع أحد على نقد بوبر للماركسية ويظل على اقتناع بمبادئها. (6) وإيراد الشواهد التي تثبت أن أهمية بوبر لا يقربها أي فيلسوف آخر من الفلاسفة الأحياء لا نهاية له، ولكن الغريب حقا أنه لا يتمتع بالشهرة الكافية، ولا يلقى ما يستحقه من التقدير، خصوصا في عالم الدراسات الفلسفية العربية؛ إذ لا يتبين الكثيرون فلسفته بوضوح، فضلا عن أنه شبه مجهول لمثقفي العربية العاديين.
لذلك سيحاول هذا البحث سد فجوة كبيرة. (2) سيرة الفيلسوف وأعماله (1) وقد ولد كارل ريموند بوبر، في فيينا، في 28 يوليو عام 1902م، لأسرة نمساوية خليقة بأن تنجب فيلسوفا، فهذا أبوه «دكتور سيمون سيجموند كارل بوبر» حاصل على درجة الدكتوراه، وكذا أخوه، وكان أستاذا للقانون في جامعة فيينا، ومحاميا. ويبدو أنه كان مثقفا ثقافة رصينة، حتى إننا لا نجد - كما يخبرنا الابن كارل بوبر - حجرة واحدة في منزله غير مكتظة بالمراجع العلمية، وأمهات الكتب الفلسفية وآيات التراث الإنساني، باستثناء حجرة المعيشة، وكانت بدورها مكتظة بمكتبة موسيقية تحوي أعمال باخ وهايدن وموزار وبيتهوفن وشوبيرت.
6
ويبدو أن الرجل - كما نلاحظ من متفرقات في السيرة الذاتية لبوبر - كان حريصا على تنشئة ابنه؛ فهو الوحيد بين ثلاث أخوات، فمنذ نعومة أظفار الصبي كارل بوبر ووالده يحفزه على قراءة الكتب الفلسفية الكلاسيكية، ويناقشه في مشاكل اللامتناهي والماهية والجوهر، وحينما تعييه حذلقة الصبي يعهد به إلى عمه ليستأنف المناقشة.
أما عن أمه «جيني ني شيف، جيني بوبر» فهي تنتمي لأسرة تسري في دمائها الموهبة الموسيقية، كانت هي وشقيقاتها شأن غالبية مواطني النمسا - عاصمة الألحان الرائعة وكعبة الموسيقى - عازفات ماهرات على البيانو، أختها الكبرى وأبناؤها الثلاثة عازفون محترفون؛
7
لذلك نجد الموسيقى تلعب دورا كبيرا في حياة الابن بوبر، فهو متذوق لها وعازف على البيانو، مما ساعده على صقل شخصيته وإرهاف مشاعره، وهو يخبرنا في تفصيلات مسهبة كيف أن الموسيقى الأوروبية المتعددة النغم
Poiyphonic
كانت ملهما لبعض اتجاهاته الفكرية.
8 (2) والحق أن كل ما في سيرة الفيلسوف مدعاة للإجلال والإكبار، فهو ذو حس إنساني رفيع، شديد التعاطف مع مظاهر البؤس والحرمان والشقاء، وكانت منتشرة في أحياء فيينا الفقيرة - نتيجة حرب أهلية - إبان صبا الفيلسوف، وكان أول حب خفق له قلبه وهو طفل صغير، يرفل في الخامسة من عمره لطفلة صغيرة في روضة أطفال ذهب إليها مرة واحدة، وبرؤية وجهها انفطر قلب الطفل بوبر، وهو لا يدري، ألروعة ابتسامتها الأخاذة؟ أم لمأساة كف بصرها؟