خلاصة هذا ببساطة، هو أن بوبر يشرح المفهوم السيكولوجي العلمي الأصيل للتكرار، ليثبت أنه شيء مخالف تماما لذلك الذي أراده هيوم له ومنه، وأنه لا يمكن - في واقع الأمر - أن يقوم بالدور الذي خوله هيوم له؛ لأننا نحن الذين نحكم على الأحداث بأنها تكرار، وليست هي التي تحكمنا بما يبدو من تكرار لها فتجعلنا نستنتج قانونا؛ ومن ثم فليس التكرار علة لما تصوره هيوم معلولا له - أي العادة - وقد أعطانا دليلا سيكولوجيا تجريبيا على هذا.
وهذا النقد قد يبدو سيكولوجيا، لكنه في واقع الأمر يقوم على أسس منطقية بحتة، وهي أن نوع التكرار الذي تصوره هيوم، لا يمكن أن يكون كاملا؛ فالحالات التي وضعها في ذهنه، لا يمكن أن تكون حالات من ذات الهوية
Perecf Sameness
بل يمكن فقط أن تكون حالات تماثل
Similarity ؛ لذلك تكون تكرارات؛ فقط من وجهة نظر معينة، وهذه الوجهة سابقة على إدراك التكرار،
16
ثم تحكم بعد ذلك العملية المنطقية لإدراك التكرار، أو لإدراك تجعله تكرارا، فكيف يدعي هيوم إذن أن التكرار يخلق وجهات للنظر، ويخلق اعتقادات.
إن محاولاتنا بأن نفرض تفسيراتنا على العالم «= وضع القوانين العلمية» أولية منطقيا على إدراك المتماثلات، أي على إدراك ما نحكم عليه بأنه تكرارات، إذن من الناحية المنطقية، هناك سبق منطقي للفروض والتوقعات من النظريات و«الافتراضات الحدسية»
Conjectures
تكون قبل أن تكون التكرارات، أو بالأحرى إدراك التكرارات؛ لذلك يكون الفرض العلمي سابقا منطقيا وزمانيا على إدراك الملاحظات المتكررة، وليس نتيجة استقرائية لها، «هذه الأسبقية هي حجر الزاوية والعمود الفقري من فلسفة بوبر المنهجية، والتي تجعلها رافضة للاستقراء.»
لكل ذلك يرى بوبر أن هيوم لم يستطع أن يحلل المعرفة تحليلا صحيحا، ولم يدرك الترتيب المنطقي السليم لعناصرها؛ لذلك لم يستوعب القوى الكاملة لتحليلاته المنطقية؛ إذ إنه حين فند الاستقراء، واجهته المشكلة الآتية: كيف نكتسب بالفعل معرفتنا - كمسألة واقعة - بعد أن اكتشفنا أن الاستقراء لا يصلح، وكان أمامه إجابتان محتملتان: (أ)
نحن نكتسب المعرفة بإجراء لا استقرائي، علينا إذن أن نترك الاستقراء، ونبحث عن مثل هذا الإجراء، هذه الإجابة خليقة بأن تستبقي هيوم عقلانيا، بل وتتوجه في عالم منطق العلم، لكنه للأسف لم يقو على الأخذ بها، ربما - فيما يرى بوبر - لأن الأصالة المنطقية تنقصه، وربما - فيما يبدو لي - لأن الاستقراء كان مسيطرا سيطرة يصعب على فيلسوف مثل هيوم، وجاء في زمن كزمن هيوم، أن يتخلص من أسرها. (ب)
أما الإجابة الثانية فهي: نحن نكتسب معرفتنا بالتكرار الاستقرائي، رغم أن الاستقراء باطل منطقيا، وقد رأينا هذا يعني أن جماع معرفتنا العلمية لا عقلانية.
وهناك نقطة جديرة حقا بالذكر هي: أننا لا يمكن بالطبع أن نقول: إن الاستقراء عقلاني تبعا لمقاييس المنطق الاستقرائي، فهذا دوران منطقي وموقف لا نقدي (تعبير لا نقدي
un-critical
عند بوبر يعني جماع الخطايا الفلسفية، وخلاصة لكافة ما يمكن توجيهه من اتهامات منطقية) لأنه يعني إدخال السؤال عن الواقعة
fact ، واقعة وجود الاستقراء كمنهج للعلم - والسؤال عن التبرير أو الصحة - في ذات الهوية
Justification or validity ، وقد كان إنجاز هيوم العظيم هو تحطيمه لهذا الموقف اللانقدي، وهذا الدوران والفصل بينهما، غير أنه رفض الثانية: • أنكر التبرير والصحة ولكن لم يستطع رفض الأولى، الاستقراء أمر واقع؛ لذلك بقي متشبثا بالإجابة الثانية «نحن نكتسب المعرفة بالاستقراء.» متفقا مع الحس المشترك في أنهما بمنتهى الضعف يسمحان للاستقراء بأن يعاود الدخول عن طريق التكرار في شكل نظرية سيكولوجية،
17
بعد أن رفضه المنطق، أي خرج الاستقراء من الباب، لكنه عاد ودخل من الشباك فما الداعي لكل هذه الجعجعة؟