تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

ولنرضي هيوم أكثر فلنقر أنهما قد يحدثان - في بعض الأحيان - كنتيجة للتكرار.

لكننا في معظم الأحيان نجد أمامنا واقعة غير مرغوب فيها بالنسبة لهيوم؛ وهي: أن الاعتقاد في قانون أو التوقع له قد يكون نتيجة لملاحظة واحدة ملفتة للنظر (ملاحظة واحدة تعني عكس التكرار)، وهذه واقعة حاول هيوم أن يستبعدها؛ لأنها بالطبع مهددة لنظريته بأن أرجعها إلى العادة الاستقرائية، التي تكونت كنتيجة لعدد كبير جدا من سلسلة تكرارات طويلة، والتي وقعت في فترة مبكرة من الحياة.

إلا أن هذه المحاولة الهيومية فاشلة، يؤكد فشلها تجارب عالم النفس بيجيه

Bage

فهو قد أمسك بسيجارة مشتعلة قريبا من أنوف جراء صغيرة، وفي الحال استنشقتها ثم أدارت ذيولها، ولا شيء بعد ذلك جعلها تعود إلى مصدر الرائحة أو تستنشقها مرة ثانية، وبعد أيام قليلة كان لها نفس رد الفعل لمجرد منظر السيجارة، أو حتى قطعة ورق بيضاء مبرومة عن طريق القفز بعيدا أو العطس، وبالطبع فإن عادة هيوم الاستقرائية، والتي تكونت في فترة مبكرة من الحياة، تعتبر هنا محض هراء؛ وذلك لأن الحياة القصيرة للجرو لا يمكن أن يتوفر فيها مجال للتكرار، فضلا عن التعامل الواسع مع الجدة

Novelty ؛

11

وبالتالي للاتكرار.

على ذلك تبقى الواقعة بأن ملاحظة واحدة كفيلة بخلق خاصية الاعتقاد في قانون أو التوقع له في السلوك قائمة حتى في أصغر المواليد والحيوانات، لتحكم على نظرية هيوم بالفشل ومجانبة الصواب، بوبر فعلا محق، لو أخذنا مثال رسل السابق

12 ⋆

من أن التكرار يخلق في الدجاجة عادة استقرائية تجعلها تتوقع الطعام ممن أطعمها كل يوم، نجد أن الأمر لا يستدعي تكرارا استقرائيا، الدجاجة سوف تتوقع الطعام بمجرد أن ترى شخصا يحمله حتى لو كانت تراه لأول مرة، التكرار لا ينشئ الاعتقاد، ولا هو يقويه، فلو كانت قوة الاعتقاد نتيجة للتكرار؛ لكان بينهما تناسب طردي بحيث تزيد قوة الاعتقاد مع تزايد الخبرة، فيكون أقوى في الأشخاص المتمدينين؛ نظرا لزيادة خبرتهم عن البدائيين، غير أن العكس هو الصحيح، فقوة الاعتقاد تكون دائما حيث الخبرة الضحلة، وتبلغ ذروتها في الدوجماطيقية مع المرحلة البدائية للحضارة.

13

وبعد يمكن أن نضيف إلى نقد بوبر هذا، نقد وايتهد الوجيه من أن لفظي التكرار والعادة يجعلان هيوم تجريبيا مزيفا؛ لأنه لو دقق فيهما لوجدهما بغير تعريف تجريبي سليم، فكيف يتخذهما أساسا لفلسفة تجريبية.

14

كل هذا - متضمنا لأدلة تجريبية - تبطل دعاوى هيوم التجريبية، وفي تحليله للمعرفة التي ادعى أنها استقرائية ليس فحسب، لدى بوبر أيضا حجج منطقية، تبطل هي الأخرى دعاويه، كل ذلك لأن المعرفة ليست استقرائية.

ثانيا: النقد المنطقي لهيوم

قامت نظرية هيوم على التكرار القائم على التماثل

Similarity

أو التشابه

resemblance

لكنه استعمل هاتين الفكرتين بطريقة لا نقدية، فلم يفطن إلى أن هناك تكرارات في تسلسل الأحداث غير قابلة للبحث، وتفرض نفسها علينا وعلى واقعنا، مثل نقطة الماء التي تجوف الصخر بكثرة تكرارها، أو دقات الساعة المنزلية مثلا، لكن في نظرية هيوم فإن فقط ما نسمح بأن يكون له تأثير علينا، هو فقط التكرار بالنسبة لنا

Repitition for-us

القائم على التماثل، بالنسبة لنا

Similarity-for-us ، فيجب علينا أن نتجاوب مع المواقف كما لو كانت متكافئة؛ نأخذها على أنها متماثلة ونفسرها كتكرارات، فيجب أن نفترض أن الجراء الماهرة ترينا بتجاوباتها - أي بطريقتها في الفعل ورد الفعل - أنها تتعرف على، أو تفسر الموقف الثاني بأنه تكرار للأول، فهي تتوقع عنصره الأساسي؛ أي الرائحة المرفوضة،

15

بعبارة أخرى توضح هذا، نقول: إن التجربة قد أثبتت أن الجراء هي التي تفترض التكرار، وليس التكرار هو الذي يخلق فيها افتراضات لقوانين، إن عقولنا واستعداداتنا النفسية هي التي تصنع التكرار، مثلما تصنع معظم المفاهيم المنطقية، وليس التكرار هو الذي يصنعها.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٨