تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أجاب هيوم على هذا بسبب العادة

habit

أو التعود

custum

اللذين ينشآن عن التكرار، فنحن مزودون بميكانيزم

Mechanism (أسلوب عمل) سيكولوجي، هو ميكانيزم ربط الأفكار عن طريق التكرار، فالنتيجة إذن هي أن التكرار هو الحجة التي تحكم حياتنا المعرفية، لكنه في واقع الأمر ليس بحجة على الإطلاق، أي إن المعرفة العلمية ليست قائمة على حجة، أي لاعقلانية إذن إما نتخلى عن العلم، وإما عن مطلب العقلانية.

7

موقف محرج حقا أدى إلى هذه المشكلة المتفاقمة؛ مشكلة الاستقراء.

لكن رغم هذا الانفجار المدوي الذي فجره هيوم في بهو الفلسفة، فإن فلسفته هو الاستقرائية ذاتية مهلهلة، غاية في الاهتراء، ولا ينبغي أن نترك هذا الجانب من فلسفة هيوم، بغير أن نعرضه لمنظار النقد، فبوبر فيلسوف النقد. (4) نقد هيوم

هذه المجهودات الهيومية، والتي صاغها ببساطة في اللغة العادية وتبعا للمفاهيم العادية لألفاظها، لا يمكن في واقع الأمر أن تكون في حد ذاتها ثورية كما أراد لها هيوم، بل إنها لا ترقى أصلا إلى أن تكون فلسفية؛ فشروحه للاستقراء في مصطلحات كالعادة والتعود، هي شروح - أو نظرية سيكولوجية - بدائية؛ ذلك لأنها تحاول أن تعطي شرحة لواقعة سيكولوجية، هي واقعة اعتقادنا في اطراد الطبيعة، فنرجعها إلى العادة التي تنشأ عن التكرار، ولكن هذه الواقعة هي نفسها يمكن أن توصف بأنها عادة الاعتقاد في الاطراد، وليس غريبا أن نقول إن عادة الاعتقاد في الاطراد يمكن أن تفسر على أنها عادة من نوع آخر،

8

وهكذا في دوران لا ينتهي في متاهات سيكولوجية، ونلاحظ أنه في فلسفة بوبر ليس ثمة فارق بين العادة والاعتقاد؛ لأن كليهما لا موضوعي ومن مكونات العالم 2 وغير ذي قيمة بالنسبة لمنطق العلم، وإذا لاحظنا أن هيوم يستعمل اصطلاح العادة نفس استعماله في اللغة العادية، أي في وصف سلوك وفي نفس الوقت في وضع نظرية في أصل هذا السلوك بأن يعزوه إلى التكرار؛ أدركنا أن جهود هيوم حتى بوصفها سيكولوجية غير ذات قيمة؛ فهي نظرية سيكولوجية شعبية إلى حد كبير، تكاد تكون جزءا من الحس المشترك، تفتقر إلى الدقة العلمية فضلا عن الصرامة الفلسفية المنطقية، فهي على هذا قابلة للتفنيد البات؛ أولا على أسس تجريبية علمية، وثانيا على أسس منطقية بحتة، وثالثا بوصفها نظرية سيكولوجية.

أولا: النقد العلمي التجريبي

وهو يدور حول نقاط ثلاث: (أ)

نفس النتيجة بالضبط

Typical Result

للتكرار:

لقد انتهى هيوم إلى أن التكرار قد خلق فينا عادة الاعتقاد في قانون، غير أن هذا خطأ والعكس تماما هو الصحيح؛ فالتكرار يحطم الوعي بالقانون ولا يخلق اعتقادا فيه، فمثلا في حالة عزف قطعة موسيقية صعبة على البيانو، يبدأ العازف مركزا وعيه وشعوره، وبعد قدر كاف من التكرار يتم العزف بلا انتباه لقانون، وحين البدء في قيادة الدراجة نتعلم أن ندير الدفة في الاتجاه الذي نخشى السقوط فيه، وتبدأ المحاولات الأولى للركوب وأذهاننا مركزة تماما على هذا القانون، ولكن بعد قدر كاف من التكرار ننسى تماما هذا القانون وتصبح عملية القيادة بغير تركيز، هكذا يتضح أن التكرار يحطم الوعي بالقانون، فنحن لا نشعر بدقات الساعة المنزلية، ولكن نشعر أن الساعة قد توقفت.

9

وقصارى ما يمكن قوله هو أن التكرار يخلق عادة متعلقة فقط بأسلوب أداء العمل أداء آليا أكثر سهولة ومرونة، ولكنه - كما رأينا - لا يحمل أي بعد لخلق قانون، بل يحطم مثل هذا البعد. (ب)

نشأة العادة

Genesis of habit :

ممارسة السلوك قد يسمى عادة فقط بعد التكرار، لكن ليس بسببه، فهو ينشأ أولا ثم يتكرر ثانيا، إذن لا يمكن أن نعزو نشأة العادة إلى التكرار كما فعل هيوم. (ج)

خاصية الاعتقاد في قانون:

وهو شيء، والسلوك الذي ينم عن توقع لما يشبه القانون في تسلسل الأحداث شيء آخر، قد يكونان وثيقي العلاقة بدرجة تكفي لكي نعاملها معاملة واحدة،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٧