لم يعالج بوبر الموضوع بهذا الترتيب، بل عالج نقطة هنا وأخرى هناك، غير أن أفضل عرض نسقي لأفكاره، إنما هو كالآتي؛ أي كما سنعرضه بهذا التنسيق. (1) نقد المشكلة في صورتها التقليدية (1) أولا وقبل كل شيء، المشكلة في صورتها التقليدية التي عرضها الفصل الأول، قسم (5)، خاطئة، فإذا كانت صياغتها تتمثل في: ما هو تبرير الاعتقاد الواسع بأن الماضي سوف يشابه المستقبل؟ أو: ما هو تبرير الاستدلالات الاستقرائية؟
فإن بوبر يرى كلتا الصياغتين قائمة على أساس خاطئ؛ لأن الصياغة الأولى تفترض الاعتقاد بأن المستقبل سوف يشابه الماضي، ومثل هذا الافتراض خاطئ من أصله، ليس هناك اعتقاد بمشابهة الماضي للمستقبل ما لم نأخذ مفهوم المشابهة بمعنى مرن، يجعله خاويا من المعنى غير ضار. أما الصياغة الثانية فهي تفترض أن هناك شيئا اسمه الاستدلالات الاستقرائية، ثم تبحث عن تبرير لها، مثل هذا الافتراض، حتى وإن كان شائعا الشيوع الذي لمسناه في الفصل الأول، محض وهم، وإنا إذ نعرضه للنقد نلقاه خرافة، ليس هناك شيء - كما سيتضح - اسمه الاستدلال الاستقرائي حتى نقيم حول تبريره المشاكل.
3 (2) والذي جعل له هذه القامة الفائقة، وشيد له تلك الصروح الفلسفية الهائلة؛ فهو أساسها الذي يعود إلى الحس المشترك ذي الشعبية الفائقة، فللحس المشترك
Commonsense
نظرية في المعرفة - فيما يصورها بوبر - تشبه العقل بالدلو أو السلة، تقوم الحواس - لا سيما البصر - بجمع المعلومات وتعبئتها في هذا الدلو، إذا أردنا اكتساب معرفة بأي شيء، فما علينا إلا أن نفتح عيوننا وحواسنا
4
فنعرفه تماما، هكذا ببساطة وبإهدار سائر القوى الخلاقة للذهن؛ لذلك يسميها بوبر نظرية التعبئة المعرفية
Bucket Theory of Mind
ويرسم لها تصويرا غاية في الطرافة على هذا النحو:
وهي النظرية التي عبر عنها جون لوك قائلا: ليس في العقل شيء إلا ودخله عن طريق الحواس، وإن كان بوبر قد كشف عن أن بارميندس أول من صاغها، وإن كان على نحو تهكمي ساخر يهجوها؛ إذ قال: «معظم البشر الفانين، لا يوجد في عقولهم الضالة خطأ إلا ودخلها عن طريق حواسهم الضالة.»
5
بصفة عامة نظرية الحس المشترك في المعرفة قريبة جدا من نظريات التجريبية الإنجليزية التقليدية؛ أي من باركلي ولوك وهيوم، وعلى أية حال، فنحن نجد الفكرة الشائعة هي أن عقولنا فعلا فيها توقعات، نحن نعتقد بعمق في اطرادات معنية، أي قوانين للطبيعة، وهذا يقودنا إلى مشكلة الحس المشترك في الاستقراء: كيف نشأت هذه التوقعات والاعتقادات؟
ببساطة يجيب الحس المشترك على هذا، بسبب الملاحظات المتكررة التي حدثت في الماضي، نحن نعتقد أن الشمس سوف تشرق غدا؛ لأنها في الماضي أشرقت كل يوم،
6
لدينا ملاحظات متكررة، وهي كفيلة بتفسير نشأة الاعتقاد وتبريره.
ببساطة يسلم الحس المشترك بكل هذا، ولا يفكر في إثارة أية مشاكل، وكان هذا هو الموقف الذي تشبث به الفلاسفة الاستقرائيون منذ أرسطو وشيشرون، كما أوضح الفصل الأول، لم يفكر أحد في مناقشتها مناقشة جدية حتى جاء هيوم. (3) يرى بوبر أن هيوم قد أثار بشأن الاستقراء مشكلتين، وليس مشكلة واحدة كما هو شائع؛ إذ يفصل بوبر في المشكلة بين شقيها المنطقي والسيكولوجي على هذا النحو:
المشكلة المنطقية: المتعلقة بتبرير صحة الاستقراء: هل لدينا التبرير الكافي للانتقال من الحالات المتكررة التي وقعت في خبرتنا إلى الحكم على (الاستنتاجات) الحالات التي لم تقع في خبرتنا؟
وقد أجاب هيوم على هذا بالنفي مكونا مشكلة الاستقراء المنطقية.
المشكلة السيكولوجية: المتعلقة بالتكرار وأثره السيكولوجي: لماذا نتوقع جميعا - وبمثل هذه الثقة العظيمة - أن الحالات التي لم تقع في خبرتنا سوف تطابق تلك التي وقعت، ونعتقد في ذلك؟