تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

57

لكنهما لا ينجحان في محاولة التحرير هذه، وكل ما حدث إبدال سلطة بأخرى ولا جديد البتة.

فالعقلانية التجريبية، تبدل سلطة الكنيسة والإنجيل وأرسطو بسلطة الحواس، والعقلانية العقلية تبدلها بسلطة العقل أو الحدس العقلي وما يبدو له واضحا متميزا.

إنهما ما زالا يلجآن إلى ما يشبه سيطرة السلطة الدينية، فقط يغيران مصادر الحقيقة القصوى القاطعة اليقينية التي لا تناقش، فقد وضع بيكون الحس، ووضع ديكارت العقل بدلا من الله. (5) إن السؤال الذي يحدد البحوث الإبستمولوجية ليس عن المصدر، بل هو: كيف نكتشف أخطاءنا ونستبعدها؟ وقد أجاب بوبر على هذا: بالنقد.

لذلك فالنقد هو الذي يحدد الموقف الإبستمولوجي لبوبر مثلما يحدد كل موقف آخر له، الذي هو العقلانية النقدية.

أما لماذا هو عقلاني بعد كل هذه الثورة النقدية على العقلانية الكلاسيكية؟ فلأنه يشترك معها في المبرر الذي يجعلها عقلانية، أي في رفض أية سلطة معرفية على الإنسان في استقلاله بنفسه في البحث عن الحقيقة رغم أنها ليست بينة، وفي اكتساب المعرفة رغم أنها ليست يقينية.

ليس هناك أية سلطة على الحياة المعرفية، ليس هناك أي مصدر معين للحقيقة النهائية، فالمعرفة لا تتمتع بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في العقل ولا في الحواس،

58

كل اقتراح وكل مصدر للمعرفة على الرحب والسعة، فقط لأن كل اقتراح وكل مصدر للمعرفة يمكن تعريضه للنقد.

فحتى العقلانية الكلاسيكية ذاتها لا نرفضها، بل نوليها الاعتبار بتعريضها للنقد، كما فعلنا، فعرفنا مواطن الخطأ فاستبعدناها، ومواطن الصواب فأبقينا عليها.

خاتمة (1) لقد استفاض الحديث، ونحن نجوب خلال فلسفة بوبر الإبستمولوجيا الثرية.

والآن تصب كل الطرقات في هذا الملتقى لنخرج بأن المعرفة موضوعية من مكونات العالم 3، ولا علاقة لها بالاعتقاد، لكن مشكلة هيوم الاعتقادات التي ترسخ في الذهن بسبب أثر التكرار، وهذا ما لا يمكن قبوله الآن؛ لأن الاعتقاد من مكونات العالم 2، سيحاول بوبر إخراج المشكلة في صورة موضوعية تنتمي للعالم 3؛ أي يمارس حلقة معرفية جديدة، تبدأ ب «م1» هي مشكلة هيوم، ليستبعد الخطأ منها، مطبقا العقلانية النقدية؛ لنرى ما أثر كل هذا على منطق العلم وموضوعنا الأساسي؛ المعيار الذي يميزه.

الفصل الثالث

| حل مشكلة الاستقراء

هذه الطريقة في النظر إلى المعرفة، مكنتني من إعادة صياغة مشكلة هيوم في الاستقراء، وبتلك الصياغة الجديدة الموضوعية لم تعد مشكلة الاستقراء مشكلة لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل أصبحت مشكلة العلاقة المنطقية بين العبارات المفردة والنظريات الكلية، وبهذه الصورة أصبحت المشكلة قابلة للحل.

1

مقدمة (1) تماما كما فعل آينشتين بشأن المشاكل المتعلقة بطبيعة الأثير، وهو وسط لانهائي المرونة كثافته أقل من الهواء ويشغل الفضاء، وكان مفترضا بوصفه الوسط الذي تحدث فيه ذبذبات الموجات، تبعا لنظرية هويجنز الموجية في تفسير طبيعة الضوء، المقابلة لنظرية نيوتن الجسيمة وقد حل آينشتين المشاكل المستعصية المتعلقة بطبيعة الأثير بأن دحض افتراض الأثير نفسه، وبالتالي دحض النظرية الموجية في الضوء؛ فتخلص من الأثير ومن مشاكله.

2

المثل تماما فعله بوبر بشأن فرض الاستقراء؛ فقد حل مشكلته بأن عرضها عرضا منطقيا، يخرج منه بأسس لمنطق العلم لا أثر لاستقراء فيها البتة لكي يحكم حياتنا العلمية أو حتى العملية ، وبالتالي يتخلص من الاستقراء ومشاكله، ويسجل نصرا فلسفيا مؤداه حل مشكلة الاستقراء. (2) ولكي يثبت بوبر هذا، يبدأ تناوله للمشكلة بأن يبسطها على صورتها التقليدية، مبينا عيوب هذه الصورة وجذورها، وكيف ظلت آمادا طويلة مسلما بها، وحتى جاء هيوم، وإذا وصل بوبر إلى هيوم، يطرح مشكلته طرحا مميزا بين عنصريها المنطقي والسيكولوجي، مبينا أخطاءها وأخطاء هيوم الكبيرة، ثم يعيد بوبر صياغة مشكلة الاستقراء، صياغة ترضى عنها نظريته السابق عرضها في موضوعية المعرفة، وتستبعد أخطاء المحاولة الهيومية السابقة، وتحل المشكلة تماما حلا ذا نتائج جمة.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٥