تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلقد كانت العقلانية - وبغير نظير ينافسها عبر التاريخ - الملهم الأعظم للثورات الاجتماعية والأخلاقية، هي التي علمت الإنسان الثورة على دوجماطيقية الدين، وعلمته أن يحاول إصلاح الحياة الدينية، وهي التي حفزته على السعي وراء التحرر العقائدي والاجتماعي والسياسي، لقد شجعت الإنسان على أن يفكر من أجل نفسه المستقلة، وأعطته الأمل في المعرفة فبواسطتها يستطيع أن يحرر نفسه ويحرر الآخرين من العبودية والبؤس.

وهي التي مكنت للعلم الحديث، وكانت أساس الحرب ضد رقابة واكبت الفكر الحر، كما أصبحت أساس النزعة التي تؤكد فردية الإنسان واستقلاليته، وأعطته الحق في أن ينشق عن الجماعة، ويخالف المعتقد العام، فهو مستقل بنفسه، يستطيع أن يعرف الحقيقة، بغير توجيه أو إرشاد، أوليس لديه العقل والحواس، فلقد كانت العقلانية أساس المعنى الحديث لكرامة الإنسان، والمطالبة بالتربية والتعليم والتثقيف الكلي الشامل، وقد جعلت الإنسان يستشعر المسئولية نحو نفسه ونحو الآخرين ويطمح في تحسين أوضاعه، بل وأوضاع الآخرين.

52

كل ذلك لأنها وجهت الإنسان نحو نفسه، فقوت وعيه بذاته، وجعلته يبحث عن الحقيقة البينة بنفسه بواسطة حواسه أو عقله، لا يعتمد على سلطة خارجية عنه منفصلة عن عالمه، يخشى منها ولا يعلم حدودها ومداها. (4) وعلى هذا يرى بوبر في العقلانية الكلاسيكية أنموذجا للفكرة الخاطئة السيئة، التي تلم بأفكار رائعة!

53

فقد تردت في خطأ كبير هو الاعتقاد بأن الحقيقة بينة، وأن المعرفة اليقينية سهلة المنال، وراحوا يتساءلون: ما هو مصدر هذا اليقين؟ ما هو المصدر النهائي للمعرفة النهائية القاطعة؟ أهو الحس أم العقل، وأولا اليقين مستحيل، والحقيقة ليست بينة.

وثانيا: السؤال الذي قامت أصلا للإجابة عليه خاطئ؛ إذ لا يهمنا مصدر المعرفة أهو العقل أم الحس، المهم هو المعرفة نفسها، محتواها ومدى صدقها، إنهم بالسؤال عن المصدر يكررون الخطيئة الأرستقراطية التي تهتم بالحسب والنسب، وتصرف النظر عن تقييم الشخص ذاته.

54

على هذا فالعقلانية اتجاه خاطئ، ولا بد وأن يكون لها آثار خطيرة تتلخص فيما يلي: (أ)

طالما أن الحقيقة بينة لكل من يريد أن يراها، فلقد أصبحت العقلانية أساس التطرف والتعصب

Fanaticism ؛ ذلك لأن الخبثاء المثبطين للهمم هم - وهم فقط - الذين يرفضون رؤية الحقيقة البينة، وأولئك الذين يخشون منها، هم فقط الذين سيدبرون المكائد كي يخفوها.

55 (ب)

وليس التعصب فحسب، بل إنها تقود بطريق غير مباشر إلى المذهب التسلطي ذاته، الذي قامت أصلا لتحاربه، فطالما أن الحقيقة بينة وواضحة، فلا بد ألا يختلف عليها اثنان، لكن هذا غير واقع ؛ مما يجعل البحوث الإبستمولوجية ليست في حاجة فقط إلى التأويل والتأكيد، بل وأيضا إعادة التأويل وإعادة التأكيد، فتكون المعرفة في حاجة إلى سلطة دائمة تحكم - ربما من يوم لآخر - بما هي تلك الحقيقة البينة، وقد نتعلم أن نفعل ذلك بطريقة تعسفية بل وساخرة؛ لذلك نجد كثيرا من الإبستمولوجيين الذين يصابون بخيبة الأمل سوف يتحولون عن هذه الإبستمولوجية المتفائلة، ويحاولون إقامة مذهب تسلطي متألق على أسس إبستمولوجية متشائمة،

56

ويرى بوبر في أفلاطون أنموذجا لهذا التحول المأساوي من إبستمولوجيا عقلانية متفائلة، إلى إبستمولوجيا تسلطية تفرض ما اقتنعت يوما أنه الحقيقة البينة، وما يتسق معها.

ومن هذا - من أن العقلانية تتحول إلى التسلطية التي قامت أصلا لتحاربها - ينتهي بوبر إلى أن العقلانية الكلاسيكية اتجاه فاشل، فهو يعتقد أنه يحرر العقل البشري من دوجماطيقية الخضوع لسلطة معينة، هي السلطة الدينية والأرسطية، وقد كانت الحرب على هذه السلطة هي موضة زمانها، زمان بيكون وديكارت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٤