هذه الصياغة التي تصف شتى ضروب الأنشطة إنما تبدأ بمشكلة، هذا يؤسس دعوى بوبر بأن أي نشاط مبذول هو محاولة لحل مشكلة، وأن هذا ما يجعل النشاط موجها بغير أن نقع في أسر البراجماتية.
وهذا يؤسس دعوى بوبر بأن نمركز الاهتمام حول المشاكل المهمة، لا نبدأ بمحاولة حل المشكلة الحل هو العامل الثاني في الصياغة لا الأول، إننا نبدأ بالمشكلة نفسها وبالأسباب التي جعلتها مشكلة - بموقف المشكلة، فيتعلم الباحث أن يهتم بصياغة المشكلة وفهمها قبل أن يحاول حلها ومدى فهمه للمشكلة ولموقفها، يحدد درجة نجاحه في التوصل إلى حل.
هذا - من ناحية أخرى - يؤسس دعوى بوبر من ضرورة الاهتمام بموقف المشكلة.
كما يؤسس دعواه في فلسفة السياسة والاجتماع، من الانتقال من مشكلة إلى حلها، دون الوقوع في براثن العبودية المذهبية. (ز)
النقد يدخل في صميم عملية المعرفة، بل وفي صميم جميع الأنشطة الحيوية بطريقة أساسية تمكننا من القول بأنه هو نفسه مسار التطور وجوهر التقدم، وهذه النتيجة - أي أهمية النقد - هي ببساطة فلسفة بوبر برمتها. (ح)
إقرار صريح وواقعي، بضرورة التعثر في الخطأ؛ مما يجنبنا مهاوي النزوع إلى الكمال، الخطأ هو القدر الذي لا مفر منه إذن، وهذا يؤسس دعوى بوبر في استحالة أن تتمتع المعرفة بأية أسس أو مصادر غير قابلة للخطأ، لا في العقل ولا في الحس، وهذا أساس دعواه السالفة باستحالة اليقين، ودعواه الآتية إلى العقلانية النقدية. (5) العقلانية النقدية (1) إذا أردنا أن نراعي تقاليد البحث الإبستمولوجي العريقة، ونضع لبوبر تصنيفا تقليديا، لكان هو العقلانية، ولكنها العقلانية النقدية
Critical Rationalism
المختلفة أيما اختلاف عن العقلانية الكلاسيكية
Classical Rationalism . (2) والعقلانية هي اصطلاح يوضع للاتجاه الفلسفي الرافض للمذاهب التسلطي
Authoritarianism ، الذي يضع سلطة معينة بوصفها مصدرا للمعرفة بل والمصدر الوحيد وللمعرفة اليقينية.
إنها - أي العقلانية - المذهب التنويري المستنير، الذي جاء ثائرا على خضوع العصور الوسطى الطويل للسلطة الدينية وأرسطو؛ فهي تقوم على أساس أن الحقيقة بينة
Truth is Manifest ، قد تكون محجبة، لكن يمكن أن تكشف عن نفسها، وإذا لم تكشف عن نفسها، فمن الممكن أن نكشفها نحن، وكشف الحجاب قد لا يكون يسيرا، لكن متى وقفت الحقيقة أمامنا مكشوفة فإن لدينا المقدرة على أن نراها، وأن نميزها عن الباطل، وأن نعرف أنها هي الحقيقة،
50
نحن إذن نملك الوسائل التي تمكننا من التوصل إلى الحقيقة واكتساب المعرفة، ولسنا في حاجة إلى سلطة تفرض علينا كي تدلنا عليها؛ لذلك يطلق بوبر على هذا الاتجاه - العقلانية الكلاسيكية - اسم «الإبستمولوجيا المتفائلة»؛ فهي تثق في الحقيقة وفي الإنسان مقابل «الإبستمولوجيا المتشائمة» التسلطية التي تسحب الثقة من الإنسان وقدراته المعرفية.
والعقلانية شائعة في الفلسفة منذ سقراط وأرسطو، ثم غفت في سبات عميق طوال العصور الوسطى، غير أنها عادت لتكون الموقف المعتمد في الفلسفة الحديثة،
51
وأصبحت موقفا رسميا ذا بطاقة محددة حيث تصف عادة اتجاهين مختلفين:
العقلانية التجريبية
Emprical Rationalism : والتي تقتاد ببيكون وأشياعه، وهم القائلون: إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الحقيقة هي التجريب، إنها تثق في الحس وفي الطبيعة، فليعتمد الإنسان فقط على نفسه، على حواسه، ويرفض أية سلطة معرفية عليه.
العقلانية العقلية
Intellectual Rationalism : اتجاه الذين يقتادون برينيه ديكارت (1596-1650م) وهم القائلون: إن الوسيلة التي تمكننا من قراءة الطبيعة هي العقل
Intellect ، إنها تثق في العقل وفي الله، فكما هو معروف في فلسفة ديكارت: الله لا يخدع أبدا؛ لذلك فهو يضمن ثبات الحقائق؛ لذلك يرفضون التسلط المعرفي، ويتركون الإنسان يتوصل إلى الحقيقة، بنفسه، بعقله. (3) ويرى بوبر أن لهاتين النظريتين - أي للاتجاه العقلاني - الآثار الرائعة التي تمثلت في الحضارة الغربية الحديثة.