تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

45

بل وإنها سبيلنا الوحيد للتعلم؛ لذلك كانت نظرية بوبر في أسلوب التعلم هي المحاولة والخطأ

Trial and Error

فهي بالطبع أساس نظريته المنهجية، لكنه يجعلها منهج شتى الأنشطة.

منهج المحاولة والخطأ ليس نتيجة، بل هو الصياغة ذاتها، النتيجة هي وحدة المناهج ليست هناك خطوات محددة يقتفيها العالم، وأخرى يقتفيها الفيلسوف، والأسلوب في جوهره واحد لجميع الباحثين والمفكرين؛ المنهج النقدي الذي يمكنهم من استبعاد الخطأ من محاولاتهم.

هذه النظرية في وحدة المناهج تحل مشاكل كثيرة، أو بالأصح تفض نزاعات جمة: التجريبية أم العقلانية، الحسية أم المثالية. (ب)

هذه الصياغة تجعل المعرفة تسير في حلقات متتالية، كل حلقة تبدأ من سابقتها وتؤدي إلى لاحقتها، طالما تبدأ بمشكلة وتنتهي بمشكلة؛ لهذا فهي تؤسس دعوى بوبر في خلق أواصر القربى بين شتى الجهود المعرفية، وهو لهذا يعطي الفضل الكبير للنظريات الفلسفية - بل وللأساطير الدينية والخرافات - في التقدم العلمي الحديث؛ لأنها مثلت إحدى حلقات التطور العلمي الراهن.

وهذا من ناحية يؤسس رفضه لرأي الوضعية المنطقية في أن كل ما عدا العلم لغو، ومن ناحية أخرى يؤسس رأيه في ربط حصيلة الجيل ومنجزاته بأجيال لا تحصى من البشر سبقته وأعدت له، وأن الفضل الأعظم في كل إنجاز يعود إلى الحصيلة المعرفية والبناء الحضاري الذي تسلمناه.

وهذا بدوره يؤسس نظرته إلى تاريخ العلم والفلسفة والفن ... إلخ على أنه نقاش جار، سلسلة من المشكلات المترابطة وحلولها الاختبارية، وبينما قل اهتمام الفلاسفة الوضعيين واللغويين بتاريخ مادتهم فإن التناول البوبري يقود إلى معنى المشاركة الشخصية في تاريخ الأفكار؛ ومن ثم فإن بوبر نفسه - فيلسوف العلم الذي يألف الفيزياء الحديثة - هو أيضا دارس عاطفي.

46 (ج)

اعتبار كل حلقة معرفية، مهما كانت متقدمة، لا بد وأن تنتهي هي الأخرى إلى مشكلة، تدخل في حلقة أخرى، يعني أن الجهود المعرفية لا بد وأن تكون دوما في حاجة إلى استئناف المسير، مما يعني إمكانية التقدم المستمرة، وهذا يؤسس فكرة بوبر - المواتية لروح العصر - في اعتبار اليقين من مخلفات عصور الجهالة. (د)

هذه الصياغة تصف شتى المحاولات وتمثل المنهج الواحد، مما يعني محو الفوارق بين التخصصات الدقيقة، وإهمال الفروق التقليدية بين المواد، كل ما يهم أن يكون لدى المرء مشكلة شيقة يحاول حلها بصدق وأصالة، وهذا يؤدي إلى أن يلتزم وجوديا بالعمل، ومن أجل العمل نفسه، حتى يكون له ما يسميه الوجوديون بالأصالة

Authenticity .

47

وهذا يؤسس دعوى بوبر في محاربة التخصص الدقيق

48

التي تجافي روح العصر، لكنه يؤكد أنه هو نفسه هاو للعلم والفلسفة، وليس محترفا لأي شيء، كثير من الباحثين تسعدهم هذه الدعوى

49 ⋆

في محاولة لعلاج مرض شاع في هذا العصر، مرض العالم الذي يقضي ثلاثة أرباع عمره في معمله ولا يدري شيئا عن الحروب الطاحنة والمقولات الدينية والأعمال الفنية، فيصاب بالتفاهة وقصر أبعاد الشخصية وضحالة خبرتها بالحياة الرفيعة، محققا المعادلة الصعبة؛ العالم الجاهل. (ه)

الطابع المرحلي لكل بناء معقد، طالما أن أية محاولة، وأي جهد يسير في حلقات متتالية كل حلقة تحاول حل مشكلة معينة واحدة، في هذا ما يؤسس عداء بوبر العنيف للنزعات الكلية التي تحاول تحقيق كافة ما ترومه بضربة واحدة كالماركسية على الخصوص، والنزعات اليوتوبية على العموم.

وهذا بدوره يؤسس دعوى بوبر إلى الهندسة الاجتماعية الجزئية

Social Piecemeal Engeneering

التي تعني الإصلاح الاجتماعي خطوة خطوة، مشكلة مشكلة.

هذا أيضا أسلوبه السليم في النقد؛ خطوة خطوة، جزء جزء، وليس أبدا استبعاد كائن مهيب بجرة قلم واحدة كما فعلت الوضعية بخصوص الميتافيزيقا، أو الماركسية بخصوص البناء الاجتماعي البرجوازي. (و)

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٤٢