أي لا بد من الإلمام بأسلوب التفكير العلمي - أي منهجه - أولا؛ كي نستطيع أن نعيشه ونمارسه ثانيا، فقد أثبت منهج العلم - ولا جدال - أنه الطريق الأمثل، والأوحد، لحل المشاكل الواقعية العملية، وربما كان العامل الوحيد الذي فجر تقدم الغرب هو تشربهم حتى النخاع بالمنهج العلمي في مواجهة المشاكل العملية، وبجذور تمتد حتى نتاج عصر النهضة حيث رينيه ديكارت وفرنسيس بيكون، بينما نحن مفصولون عنه بفراسخ وأميال.
ولا يكابر أحد بادعاء أننا أخذنا بالعلمية، مشيرا إلى أكاديميات العلوم ومجامعها والميكنة والتقنية التي تعمر أرجاء البلاد، فقد أخذنا بهذا ونحن غافلون عن أن العلم هو المنهج، فنهلل فقط لنتائجه (أي قطع التكنولوجيا) غير مدركين أننا لو استوردنا كل تكنولوجيا الغرب، فسيظل علمنا - بداهة - حيث هو، ما لم نكن على وعي بروح هذا العلم، بمساره وكيفية تقدمه (أي منهجه). إغفال حضارتنا لمنهج العلم، كقانون التفكير العملي السليم، هو الباعث على التشكك في مسايرتنا لروح العصر، فكل ما نقلناه من أنظمة علمية وأجهزة تكنولوجية محض مظاهر سطحية، لم تشكل رافدا جديدا، شق ليثري نهر حضارتنا الخالد.
على هذا يبدو من الملائم تماما اختيار فلسفة العلوم - التي هي مناهج بحثها - ميدانا للدراسة، وعساها أن تساهم في نمط من اليقظة الفكرية، بلاد الشرق من أحوج بقاع الدنيا له. (4) ومن الملائم أكثر اختيار كارل بوبر بالذات (1902م-؟)
Karl
Popper ؛ لأنه فيلسوف العلم ومناهج البحث الأول، وبغير منازع على هذه الأولوية.
فهو أصلا دارس للرياضة والطبيعة، بجانب الفلسفة بالطبع، ثم مدرس لهما، إذن يستند في فلسفته للعلم على خلفية صلبة وأرض ثابتة من الإلمام الأكاديمي الواسع بالعلم ذاته، إنه - كما قال العالم الفيزيائي الكبير هنري مارجينو - على خلاف معظم معاصريه، قد أخذ على عاتقه دراسة موضوع تفلسفه أي الفيزياء المعاصرة،
2
وهو رغم سعة إلمامه بالعلم وفلسفته، ليس من قبيل الفلاسفة الذين بهرهم هذا العلم فذابوا معه وراحوا ينكرون أدنى فعالية لشتى ضروب الأنشطة العقلية، بل إنه من خلال العلم ذاته ينظر بعين الاعتبار لسائر تلك الضروب، وعلى رأسها جميعا الميتافيزيقا.
وهو أحد المعاصرين القلائل - إن لم يكن الوحيد بعد رحيل رسل - الذين تتميز بحوثهم بالسمة شبه الموسوعية، لا نجد ميدانا من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه بوبر، له بحوث في العلم، لا سيما الفيزياء البحتة ونظرية الكوانتم، ونظريات في فلسفته ومناهج بحثه، وهو مجدد في المنطق ونظرية المعرفة، ومبدع في الميتافيزيقا، أما نظريته السياسية، فهي من أشهر ما اشتهر به، وقيل إن كتابه: «المجتمع المفتوح وخصومه» من أهم منجزات القرن العشرين في مجال الفلسفة السياسية والاجتماعية، وقد أردفه بعمل آخر هو «عقم النزعة التاريخية» الذي كتب عنه الناقد آرثر كوستلر
Arthur Koestler
في مجلة التايمز البريطانية يقول: إنه العمل الوحيد في مناهج العلوم الاجتماعية الذي سيخلد إلى ما بعد هذا القرن.
3
ورغم ذلك فبوبر يؤكد في كل مناسبة أن اهتمامه الأساسي هو فلسفة العلوم الطبيعية.
4 (5) وفلسفة بوبر - رغم دقتها وصرامتها الأكاديمية - تتخطى الحدود الأكاديمية وتؤثر تأثيرا فعالا في الحياة العملية، فنجد مثلا: (أ)
العلماء التجريبيون الحاصلون على جائزة نوبل - أمثال سير بيتر ميداوار، وجاكس مونود، وسير جون إكسلس - يؤكدون أنهم وصلوا إلى تلك النتائج العلمية الباهرة بفضل اتباع تعاليم بوبر المنهجية، والاسترشاد بفلسفته للعلوم؛ إذ كانت نصيحة إكسلس
John Eccles
للعلماء الآخرين هي أن «يقرءوا ويتأملوا كتابات بوبر عن فلسفة العلوم وأن يتخذوا منها أساسا للعمل في حياة الفرد العلمية.» (ب)