تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

لذلك فإن استحالة اعتبار النظرية العلمية مطلقة، تمثل اعترافا ضمنيا بالوجود الواقعي للصدق الموضوعي، والذي نفشل في الوصول إليه، رغم أن العلم يتقدم دوما نحوه، فكما يوضح المثال، إثبات اليقين مستحيل. (2) وإذا كان الصدق يلعب هذا الدور، فما هو معياره؟ في هذا يتخذ بوبر الموقف الشائع، أي نظرية التناظر

Corresponding

في الصدق، لكنه يركز على الفضل الكبير للمنطقي البولندي ألفرد تارسكي

Alfred Tarski ، فيعترف أنه ظل أمدا طويلا يتجنب قدر الإمكان استعمال مفهوم الصدق حتى تسلح بإخراج تارسكي الأمثل لنظرية التناظر والتي كانت محل ارتياب.

19

وقد عاب آير على بوبر هذا واعتبره ثغرة في الأمانة العلمية تشين أبحاث بوبر المبكرة، فكيف يعمل بغير مفهوم الصدق فقط؛ لأنه يخشى منه وليس لأنه في غير حاجة إليه.

20

على العموم بوبر يعفي نفسه من حل مشكلة الصدق، ويكتفي بالتسليم بنظرية تارسكي، فما هي هذه النظرية؟

أفضل شرح لها يتم بواسطة هاتين الصياغتين:

العبارة أو التقرير: «الثلج الأبيض» تناظر الواقع إذا - وفقط إذا - ما كان الثلج فعلا أبيض.

العبارة أو التقرير: «النجيل أحمر» تناظر الواقع إذا - وفقط إذا - ما كان النجيل فعلا أحمر، هاتان الصياغتان معروفتان، وكشف تارسكي يكمن في توضيحه أنهما تنتميان للغة البعدية أو الشارحة

Metalanguage ، فاللغة الشيئية أو الموضوعية تتعلق بالوقائع فتتناول مباشرة موضوعات البحث وأشياءه، وهي لغة العلم، أما اللغة البعدية فلا علاقة لها بالوقائع والأشياء، إنما تأتي بعد اللغة الشيئية لتشرح هذه اللغة وتبحث فيها، إنها أحاديث فلسفة العلم.

وكان توضيح تارسكي أن العبارات التي تشرح نظرية التناظر نفسها من اللغة البعدية، مما يجعلها من مستوى منطقي مخالف لمستوى القضايا ذاتها التي نحاول أن نعرف ما إذا كانت متناظرة؛ أي صادقة، أم لا، والتي هي من اللغة الشيئية، وهذا التوضيح أعظم إنجاز منطقي يظفر به مفهوم الصدق؛ لأنه بدونه سيقع أي حكم بالصدق في تناقضات ودورانات، تماما مثل قول إبمنديز الأقريطي: «كل الأقريطيين كذابون.» وطالما هو أقريطي كان هو الآخر كاذبا، ويصبح القول: «كل الأقريطيين كذابون.» كاذبا، أي إنهم صادقون ولما كان إبمنديز أقريطيا كان صادقا، وكان قوله: «كل الأقريطيين كذابون.» صادقا؛ وبالتالي يكون هو الآخر كاذبا ... وهكذا، وكانت هذه إحدى المشاكل المستعصية، والتي حلها رسل بنظريته في الأنماط المنطقية

Logical Types ، ومفادها أن أقوال الأقريطيين من مستوى أقل عمومية من قول إبمنديز ؛ لذلك فكل منهما له نمط منطقي خاص به، وما يصح على هذا لا يصح على ذاك، وعلى ذلك، لا يمكننا أن ننسب خاصية للقضايا بوجه عام بل فقط لقضايا من مستوى معين،

21

ومن هنا تنحل المفارقة؛ لنحكم بأن إبمنديز صادق وأن كل الأقريطيين كذابون، ولهذه النظرية نتائج جمة في فلسفة الرياضة البحتة.

وقد فعل تارسكي بشأن نظرية التناظر مثل هذا، فكيف نجعل العبارة: «العبارة «س هي ص» عبارة صادقة» محكا للعبارة «س هي ص» وكلتاهما عبارة، هذا شبيه بدوران إبمنديز، لكن بفصل تارسكي بين اللغتين، أصبح لكل لغة مقاييسها الخاصة مما يخلصنا من هذا الدوران فلا تعود نظرية التناظر خالية من المعنى ولا هي عقيم كما رأى فرانك رامزي، أو من نافلة القول التي يمكن أن نسير بدونها.

22 (3) وما فتئ بوبر يرفع آيات العرفان لتارسكي؛ لأنه مكنه من الأخذ بالتناظر الذي يحافظ على موضوعية المعرفة واستقلالها عن الذوات؛ إذ يمكن أن تكون صادقة حتى ولو لم يوجد أي شخص يعتقد فيها، وقد تكون كاذبة حتى ولو كان لدى الذات العارفة أسباب وجيهة كي تتقبلها.

فالتناظر على طرف النقيض من النظريات الذاتية في الصدق، التي ترجعه إلى تاريخ أو علاقة المعتقد بالمعتقدات الأخرى كنظرية الترابط

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٣٧