تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد حاربه بوبر لأنه ينشأ من الإبستمولوجيا الذاتية التي تعزو إلى العبارة: «أنا أعرف أن الثلج أبيض.» مكانة أعظم من مكانة العبارة «إن الثلج أبيض.» أي التي تنسب إلى ما تعرفه الذات مكانة إبستمولوجية أعظم من التقرير الموضوعي.

أما بوبر فينسب المكانة الإبستمولوجية الأعظم للعبارة «على ضوء جميع الأدلة المتاحة لي فأنا أعتقد أن الثلج أبيض.»

11

أي حتى الاعتقاد الذاتي نعامله على أساس أدلته الموضوعية، والمثل نفعله مع الاحتمال: حينما يتعذر تحديده، نعامله على أساس الأدلة الموضوعية التي تأدت بالذات إلى وضع هذا الاحتمال. (ج) وقد عرفت النزعة الذاتية طريقها إلى الفيزياء منذ عام 1926م، وكان أول اقتحام لها في مجال ميكانيكا الكوانتم، وكان موقفها قويا ثم أدخلها ليو سيزيلارد

Leo Szilard

إلى الميكانيكا الإحصائية،

12

حيث نجد نظرية واسعة القبول مؤداها أن إنتروبي

Entropy

النسق يتزايد بنقص معلوماتنا عنه، والعكس صحيح، فهو ينقص بتزايدها، والإنتروبي هو كمية تقدم - في المقام الأول - لتسهيل الحساب ولتعطي تعبيرا واضحا لنتائج الديناميكا الحرارية، أما إنتروبي النسق فهو قياس درجة اضطرابه

disorder ، والإنتروبي الكلي لأي نسق منفصل لا ينقص أبدا في أي تغيير، فهو إما يتزايد بعملية غير قابلة للاسترجاع

irreversible process

أو يظل ثابتا بعملية قابلة للاسترجاع؛ لذلك يتزايد الإنتروبي الكلي للكون متجها نحو حد أقصى يناظر اضطرابا تاما للجزئيات فيه،

13

وتبعا لنظرية سزيلارد الذاتية نجد تناسبا عكسيا بين الإنتروبي وبين معلوماتنا؛ لهذا فأي كسب للمعرفة يجب تأويله على أنه نقص في الإنتروبي.

وكان لهذه النظرية ثقل كبير، لا سيما على ذوي النزعة الذاتية في الاحتمال؛ إذ يمكنهم جعل درجة احتمالية النسق مسايرة للإنتروبي فيه، وبناء على هذا:

المعلومة = عدم الإنتروبي:

negentropy =

information .

الإنتروبي = نقص في المعلومات = عدم العلم.

14 ⋆

هذه المعادلات تؤخذ على حذر، فكل ما توضحه هو إمكانية قياس الإنتروبي ونقص المعلومات بواسطة الاحتمالية، أو تأويلها كاحتماليات، فالمعادلات لم توضح أن الإنتروبي هو ذاته نفس الاحتمالية التي نعزوها للنسق.

وقد أخرج بوبر بحوثا في الفيزياء البحتة - على مدى عشرين عاما - لدحض هذه النظرية الذاتية، وتناول نظرية سزيلارد في نقد يوضح مدى قصورها، فالإنتروبي نعامله فقط على أساس العوامل الموضوعية المختصة بالنسق ومواضع جزئياته، ولا نأخذ في الاعتبار عنصرا ذاتيا مثل كمية معلومات العالم عنه.

15 (7) وليس يصعب تبيان أن تلك التفسيرات الذاتية في الاحتمال والفيزياء إنما تتسق مع العلم في مرحلته النيوتونية السابقة، وأن رؤية بوبر هي المتسقة مع العلم الذري المعاصر، على

16 ⋆

أية حال كان هذا ليوضح أن دعوى بوبر بموضوعية المعرفة، دفعته إلى حرب على مدى جبهات عريضة، وليوضح أيضا أنها نظرية شاملة متماسكة. (2) نظرية الصدق (1) وفي إطار موضوعية المعرفة تبرز مشكلة الصدق

Truth ، فالصدق له دور أساسي؛ لأن بوبر يرى للنظرية العلمية دلالة إخبارية، فلا بد من الحكم عليها تبعا لصدق هذا الخبر أو كذبه، وهو يقول: إن «وظيفة العلم هي البحث الدءوب عن الصدق والحقيقة طالما أن هدفه إعطاء شرح مرض لهذا العالم»

17

لذلك يجعل من الكذب - اللاصدق - العمود الفقري لمنطق العلم.

على وجه الدقة، يلعب الصدق دور المبدأ التنظيمي

Regulative Principle

الذي يحكم شتى الجهود المعرفية بوصفه الغاية المرومة بعيدة التحقيق.

وأفضل مثال يوضح دوره هو تشبيهه بقمة جبل عادة ما تكون مغلفة بالحسب، ومن يحاول تسلق هذا الجبل ستواجهه صعوبات جمة، ليس فحسب في الوصول إلى القمة، بل لأنه قد لا يعرف حين يصل إليها أنه وصل إليها فعلا؛ فقد يعجز عن التمييز وسط أطياف السحب بين ذروة الجبال الحقيقية وبين القمم الثانوية، غير أن هذا لا يؤثر على الوجود الموضوعي لذروة الجبل الحقيقية، وإذا قال المتسلق: «أنا أشك فيما إذا كنت قد وصلت إلى الذروة الحقيقية.» فإنه يتعرف ضمنا على الوجود الموضوعي للذروة؛

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٣٦