Coherence ، فيكون الصدق هو ما نستطيع تبرير الاعتقاد فيه أو قبوله.
23 (3) نظرية العوالم الثلاثة (1) ويضفي بوبر منتهى الموضوعية على المعرفة، حين يصر على أن مكانها ليس في الأذهان، بل إن مكانها العملي هو العالم الفيزيقي، ومكانها النظري هو الكتب، أو بالأدق هو العالم 3 مراعاة للمصطلحات البوبرية،
24 ⋆
فما هو هذا العالم 3؟ (2) لبوبر نظرية ميتافيزيقية مؤداها أن هناك ثلاثة عوالم، هي:
العالم 1:
العالم الفيزيقي المادي، عالم الحالات الفيزيقية والأشياء المادية.
العالم 2:
العالم الذاتي، عالم الوعي والشعور والحالات العقلية والميول السيكولوجية، المعتقدات والإدراكات.
العالم 3:
عالم المحتوى الموضوعي للفكر، كالعلم والفلسفة والأعمال الأدبية والفنية، فيه المشاكل ومحاولات حلولها، الفروض ومناقشاتها النقدية، والنظم السياسية والتقاليد والقيم ... محتوى هذا العالم هو محتوى الكتب والصحف والمعارض والمتاحف، والموضوع السليم للإبستمولوجيا يقطن فيه لا في العالم 2.
25 (3) والعلاقة بين العوالم الثلاثة متداخلة؛ فالعالم 1 مستقل عن العالم 3، لكن العقل؛ العالم 2، هو الوسيط الذي يربط بينهما بواسطة علاقاته بكليهما؛ إذ له وثيق الصلة بالعالم 3، فهو الذي يخلقه ثم يظل يدرسه ويضيف إليه ويحذف منه، وهو يدرك أيضا مكونات العالم 1 بالمعنى الحرفي لمفهوم الإدراك الحسي، وأيضا العالم 2 له أثر كبير على العالم 1، لكن القوى التكنولوجية تكمن في النظرية وهي في العالم 3، والذات أي العالم 2، هي التي تستخرج القوة التكنولوجية من النظرية وتقوم بتطبيقها، فتغير بها العالم 1.
خلاصة القول في العلاقة بينهما، أن العالم 2 يربط بين العالمين: 1، 3، وأن هناك عملية تغذية استرجاعية
Feed-Back Process
للعالم 3 من العالم 2 بل وحتى من العالم 1.
26 (4) هذه النظرية ابتكار مثير، غير أنها - كما يقول بوبر - ليست إلا موقفا تعدديا جديدا، أي رافضا للواحدية وللثنائية، فقد حلت مشكلة العقل والمادة بأن أتت بطرف ثالث يربط بينهما؛ لذلك يرجع بوبر أصولها إلى كافة المذاهب التعددية كالأفلاطونية والواحد الأفلوطيني والهيجلية ومونادات ليبنتز الروحية ... كلها نظريات تقول بوجود عالم غير عالمي العقل والمادة مثل العالم 3: (أ)
يخبرنا بوبر أن نظريته تتلافى أخطاء المثل الأفلاطونية، فالعالم 3 ليس سرمديا ولا مطلق الثبات، مثلها مثل الواحد الأفلوطيني، بل هو من صنع الإنسان وهو دائم التغير والتقدم والنمو، وهذه المرونة تجعله ملائما للمعرفة العلمية بالمفهوم الحديث، كما أن عالم المثل يعطينا الحقيقة اليقينية المطلقة؛ لذا فمكوناته مفاهيم مفرطة التجريد نتأمل فيها كما لو كانت نجوما في السماء، أما مكونات العالم 3 فواقعية، هي المشاكل وحلولها، فهو لا يحمل أية صفة للإطلاق، بل يحوي الخطأ بجانب الصواب، خطؤه هو المرجح دائما، لكن أكبر قصور في المثل هو القصور عن تصوير العلاقات، فالمثل تصور الحقائق، أي المفاهيم، «كل مفهوم = مثال مستقل» لكنها لم تصور المفاهيم وهي تدخل في علاقات،
27
فمثلا تصور الحقائق 5 - 25 - الضرب - التساوي، لكن لا تصور العلاقة «5 × 5 = 25»، والقصور عن تصوير العلاقات يشوب الفلسفة القديمة بأسرها، فهي فلسفة واحدية تعاملت مع كون افترضت أنه ساكن وكل حركة فيه تغير؛ لذلك فمنطق العلاقات أهم إنجازات الفلسفة المعاصرة، والعالم 3 يساير هذا فهو يحوي كل معلومة يتوصل إليها البشر وبالتالي كل علاقة، وفي سياق المقارنة مع أفلاطون ينبغي التنويه إلى أن العالم 3 لا مكان فيه للكليات؛ فبوبر يأخذ بالمذهب الأسمى ويعادي الواقعية الأفلاطونية، كل ما في الأمر أن كليهما أتى بطرف ثالث غير الثنائي الديكارتي، ولنلاحظ أن بوبر يعتبر أفلاطون تعدديا وليس ثنائيا كما جرى العرف. (ب)