فتجنشتين حاول هو الآخر تبرير الاستقراء تبريرا سيكولوجيا فقال: إن العملية على أية حال ليس لها أساس منطقي ولكن لها أساسا سيكولوجيا، فمن الواضح أننا لا نجد أساسا للاعتقاد بأن أبسط تسلسل للأحداث يصلح للاعتماد عليه،
102
لكننا مدفوعون سيكولوجيا إلى هذا، من الواضح أن فتجنشتين أكد خطورة المشكلة، كيف نسمح بإقحام دوافع سيكولوجية في منطق العلم. (ي)
النظرة الشاملة لكل هذه المواقف، تجعلنا نقول قول جيرولد كاتز من أن طرق الإحاطة بمشكلة الاستقراء ثلاثة:
محاولة وضع تبرير للاستقراء، ولكن هذا مستحيل.
محاولة توضيح أن الاستقراء غير ذي مشكلة حقيقية، وأن المشكلة تقوم على خلل في استعمال المفاهيم، فالخطأ هو محاولة البحث عن تبرير للاستقراء.
أن يوضح الباحث استحالة الانتهاء إلى أي تبرير للاستقراء، كما فعل كاتز الذي راح في فصل مسبب يوضح هذا، ويوضح أن أي تبرير كان لأي شيء كان لا بد وأن يقود إلى ارتداد لا نهاية له؛
103
لذلك فقد حل المشكلة عن طريق إثبات أن الحل الموجب لها مستحيل منطقيا، ويمكن الحل فقط بالأخذ بجوانب الاحتمال والبساطة وما إليها؛ لذلك كان حله - كما يقول هو - حلا سالبا لا بد وأن يلزم عنه المشكلة الملحة، وهي أن الاستقرار طالما بغير تبرير، سيبدو التميز والفصل بين الاستدلال السليم والاستدلال غير السليم
invalid ، أيضا غير ممكن.
104
لم يفعل كاتز في النهاية أكثر من تأكيد استحالة حل المشكلة. (ك)
وأخيرا فإن الموقف السليم هو - وهو فقط - موقف التجديديين الذين يرون أن الثقة قد سحبت من الاستقراء، فهو لا يصلح إطلاقا مبدأ للعلم، وألحوا على ضرورة البحث عن مبدأ جديد، وأقوى من تبني هذه الدعوى إيجابيا هو كارل بوبر، كما سيثبت في غضون هذا الباب. (6) لكن حتى الآن بدا الحل شبه مستحيل، وأصبحت القوانين العلمية تفتقر شديد الافتقار إلى الأسس العقلانية المطمئنة، فما لها من هذه الأسس شيء، لا في المنطق ولا في الخبرة، طالما أن أي قانون علمي - وهو عام عمومية غير مقيدة، يتجاوز كليهما،
105
وفي هذا الشأن قال وايتهد: إن الموضة المستحدثة في العلم منذ وقت هيوم قد أصبحت إنكار عقلانية العلم؛
106
لذلك فهو يسمي المشكلة يأس الفلسفة
Despair of Philasophy ، كما يسميها برود
C. D. Broad ، فضيحة الفلسفة
Scandal of Philasophy ،
107
فيا لها من مشكلة خطيرة أن يصبح العلم التجريبي بجلال قدره مزعزعا، وأن المشكلة أشمل من العلم التجريبي، فهي تصدع في بناء المعرفة بالعالم بأسرها، والمفروض أنها أوثق المعارف، مما يؤكد ذلك «أن كلمة الاستقراء التي يستخدمها بيكون ولوك، لم تظهر في نصوص هيوم إلا عن طريق التصادف، وبدلا من الاستقراء كان هيوم يستخدم اصطلاح استدلال
Inference
أو الحجج المحتلة
Probable Arguments
أو التعقل من الخبرة
Reason from Experience ، وقد ركز هذه المصطلحات في إصلاح الدليل البين
Demonstrative
أو الحجج الاستنباطية
Deduetio Arguments .»
108
والدلالة الفيلولوجية والفلسفية لكل؛ لذا هي شمولية المشكلة وخطورتها على معرفتنا بالعالم بأسرها، لقد أصبح على الجميع - سواء رضوا أو أبوا - أن يعترفوا بأن القوانين العلمية تفتقر إلى البرهان المثبت، مهما كان عدد الحالات التي تؤيدها، وهذا الانهيار المريع في بناء المعرفة حول الكثير من الفلاسفة التجريبيين إلى شكاك أو لاعقلانيين أو متصوفة، وقاد البعض إلى الدين،
109
فلا عجب إذن أن يدين رسل هيوم بأنه المسئول عن الشيزوفرينيا (انفصام الشخصية) التي أصابت التجريبيين والعلميين وعن اللاعقلانية التي أصابت الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، وفي هذا كتب رسل يقول:
لقد أثبت هيوم أن التجريبية المحضة لا تشكل أساسا كافيا للعلم، لكن إذا سلمنا بهذه القاعدة الوحيدة - أي الاستقراء - فأي شيء بعد ذلك يتلاءم مع النظرية القائلة: إن كل معرفتنا قائمة على التجربة. ويجب التسليم بأن هذا افتراق خطير عن التجريبية المحضة، فقد يتساءل بعض التجريبيين: لماذا نسمح بالخروج عن نطاق التجربة في هذه النقطة بالذات ونمنع في غيرها، وهذه على أية حال تساؤلات لا تثيرها مناقشات هيوم بصورة مباشرة، ولكن ما تثبته هذه المناقشات - ولا أعتقد أن هذه الحجة يمكن معارضتها - هو أن الاستقراء كقاعدة منطقية مستقلة، لا يمكن أن نستدل عليها من التجربة ولا من قواعد منطقية أخرى، إنه بغير هذه القاعدة يصبح العلم مستحيلا.