أما البراجماتيون فقد قالوا: ليكن الاستقراء مجرد عادة كما قال هيوم، إلا أنها ليست عادة مرذولة، بل هي عادة حسنة تفضي بنا إلى حصاد هائل، فلماذا لا نبقي عليها طالما أنها مفيدة، وقد وقف بجانب البراجماتيين رايشنباخ، فهو استقرائي متطرف، يحاول تبرير الاستقراء بكل الطرق، و«على أساس أنه أفضل الوسائل للوصول إلى معرفة عن الطبيعة، هذا الموقف مقبول على نطاق واسع إلا أنه بالطبع غير حاسم.»
95
فهو لم يفعل من تبرير اللاعقلانية بأنها مفيدة، والمنطق ليس مرابيا يتغاضى عن حقوقه نظير الفائدة المادية.
وبالإضافة لهذه المدارس فهناك فلاسفة آخرون حاولوا أيضا حل المشكلة بصورة مستقلة. (ز)
المنطقي المعاصر وليام نيل
William Kneale ، حلها بالتمييز بين أربعة أنواع من الاستقراء:
الاستقراء التلخيصي، وهو الذي سماه أرسطو بالاستقراء التام، وهو مجرد عملية حصر الوقائع.
الاستقراء الحدسي، أو التجريبي، وهو موضع المشكلة، فهو إقامة مبدأ كلي عام اعتمادا على حالات محددة،
96
وقد اعترف نيل بأننا لن نستطيع تبرير الاستقراء على أساس احتمالية نتائجه ولا على أساس صدقها، فلا صدق الآن، ولكن يمكن تبريره فقط بالنظر إليه على أنه خطة معقولة (
Policy ) على أنه النهج الوحيد الذي يوصلنا إلى تنبؤات صحيحة صادقة صدق مؤقت، أي معرض للمراجعة والحساب في المستقبل،
97
ومن هذا المنظور ينبغي التمييز بين نوعين من الاستقراء:
الاستقراء الأولي
Primary Induction ، ينصب على اكتشاف القوانين المعبرة عن اطرادات موجودة في الطبيعة، كما اتفقنا في الخطة الاستقرائية، واستمرارنا فيها يكون من أجل الحصول على بينات مخالفة
Counter-Evidence ، ليمكن رفض الفروض الخاطئة، ولا يبقى في النهاية إلا أرسخ الفروض.
الاستقراء الثانوي
Secondary-Induction ، يهتم بالنظريات الكلية التي هي مجموعة من القوانين المترابطة؛ أي بالفروض الصورية ذات الطابع التفسيري الذي ينطوي على تبسيطات فتكون النظرية تقترح علينا موضوعات نبحثها بالاستقراء الأولي.
98
والحق أن هذه محاولة جادة من نيل للإبقاء على كيان عزيز وغال يسمونه الاستقراء، لكنها لا تعدو الإقرار الواقعي الصريح باحتمال إتيان الخطأ في غضون المستقبل، حتى لا يتسرب خفية، فيمثل مشكلة الاستقراء التي لا تحل أبدا. (ح)
من قبل نيل كان فيلسوف العلم الكبير وايتهد استطاع أن يحل المشكلة على أساس نظريته الشهيرة: النظرة العضوية للطبيعة، التي ترفض النظر إلى الطبيعة على أنها واقعة سكونية آلية، بل تنسب إليها نوعا من الحياة وتراها مترابطة
99
ارتباط التعضون، بواسطة العلاقات الداخلية التي يمكنها أن تبرر الاستقراء، فالارتباط الداخلي بين الحوادث يجعل إدراكنا الحسي للحوادث كافيا لاستبصار ما بينها من علاقات سببية ضرورية،
100
وقد أوضح وايتهد أولا أنه يختلف مع هيوم في أن الأمثلة متشابهة لا تنطوي أي منها على أكثر مما في بقيتها من مضمون، كلا هذه الأمثلة ليست بهذه البساطة المتناهية والانفصال عن بعضها كما اعتقد هيوم، وحينئذ نكون مضطرين بالفعل إلى ضرورة عقلية للربط بينها؛ فالتحليل في حد ذاته ضروري للفهم، ولكن الوقوف عند نهاياته والزعم بأنها تمثل الحقيقة هو جريمة في حق الطبيعة العضوية، فالأمثلة الجزئية هي الحوادث وهي ليست مفككة، بل يمتد بعضها فوق البعض الآخر في متواليات تزداد تركيبا وعينية، ومغزاها وضرورتها لا يتضمان إلا في تلاحمها على هذا النحو، بحيث نعطي لأنفسنا الحق في التنبؤ بما سيكون قياسا لما كان، وتستطيع الفلسفة أن تهدأ بالا من مشكلة الاستقراء التي أرقتها زمنا طويلا.
101
الآن هذا قول لا بأس به، ولكن عضوية الطبيعة وعلاقاتها الداخلية محض افتراض ميتافيزيقي ليس لوايتهد أن يلزمنا به، والحق أنه في حد ذاته ليس مقنعا، فكيف نقيم أساس العلم؛ منطقه ومنهجه على افتراضات ميتافيزيقية، يمكن أن نقول عنها: إنها ذاتية، أساس العلم يجب أن يكون مثله موضوعيا ثابتا. (ط)