تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

110 (7) هذا هو الاستقراء، الذي سيطر على الأذهان كمعيار للعلم، وتلك هي مشكلته ومدى خطورتها على البنيان المعرفي، فماذا فعل كارل بوبر بإزاء كل هذا؟ (6) موقف بوبر «وكان المقصود بكتابة «منطق الكشف العلمي» أن يمدنا بنظرية المعرفة وفي نفس الوقت يبحث في المنهج؛ منهج العلم، وكان هذا الربط ممكنا لأني أنظر إلى المعرفة الإنسانية بوصفها مكونة من نظرياتنا وفروضنا، والمعرفة بهذا المعنى موضوعية، وهي فرضية أو افتراضية حدسية.

111

هذه الطريقة في النظر إلى المعرفة، مكنتني من إعادة صياغة مشكلة هيوم في الاستقراء.

بهذه الصورة الجديدة أصبحت المشكلة قابلة للحل، وهذا الحل أعطانا نظرية جديدة في منهج العلم.»

112 (1) الفلسفة هي البحث في الأسس النظرية العميقة التي تكمن خلف موضوع البحث، فتكون فلسفة العلم هي البحث في الأسس المنطقية للعلم كما هو معروف، ولما كان العلم هو أنساق من النظريات كانت فلسفته التي هي منطقه؛ نظرية في هذه النظريات، والمشكلة المطروحة هنا هي: نظرية تميزها عن غيرها من الأنساق قد تختلط بها.

ولكن هل تكون المعرفة العلمية متبوئة عرش السيادة، وجديرة بالعناية الدقيقة بتميزها، بعد أن رأينا هيوم يصفها باللاعقلانية، واهتراء الأساس والافتقار إلى المبررات المنطقية وما إليه، بحيث إن من يعتبر عقله يرفض التسليم بها بوصفها معرفة على الإطلاق، فضلا عن أن تكون في طليعة المسيرة المعرفية. (2) إن بوبر فيلسوف العلم الأول، وأحد العوامل التي خولت له هذه الأولوية هي حله لمشكلة الاستقراء وإخراجه منطقا عقلانيا راسخا للعلم، فيكون محقا في اعتباره المعرفة العلمية أرفع ضروب المعرفة وأكثرها تقدما ونجاحا، وأقدرها على حل المشاكل، وبالتالي من الضروري تمييزها عن غيرها من المعارف؛ إذ إنها جميعا موضوعية.

والأهم أن هذا الحل يمثل الوجهة المنطقية لضرورة حذف الخرافة الاستقرائية، فنرى أمامنا المنهج الحقيقي للعلم، وهذا من شأنه أن يعود بنا إلى لب المشكلة المطروحة في هذا الباب، الفصل في الزعم الشائع من أن الاستقراء هو المعيار الذي يميز العلم. (3) لكن كيف نعرض كل هذه الأفكار المتداخلة المتشابكة عرضا منهجيا منسقا؟ الواقع أن الفقرات المقتبسة المستهل بها، توفر الكثير من عناء المحاولة لاستيضاح الطريق.

فإننا إذ نعرض لنظرية بوبر في موضوعية المعرفة التي تحررها من أي بعد ذاتي، وتجعلها نسقا من العبارات المحكومة بالعلاقات المنطقية، الخاضعة للمناقشة النقدية، سنجدها تقودنا إلى إعادة صياغة مشكلة هيوم، صياغة تجعلها موضوعية، فلا تعود مشكلة لمعتقداتنا أو لعقلانية معتقداتنا، بل مشكلة العبارات الكلية أو النظريات، وكيف يمكن قبولها أو رفضها على أسس منطقية عقلانية، وعن طريق هذه الصياغة، تمكن بوبر من حل المشكلة، وحينما حلت وجدنا أمامنا منهجا جديدا سليما للعلم لا أثر لاستقراء فيه البتة، أي سار بوبر على النهج التالي: نظرية في موضوعية المعرفة

إعادة صياغة مشكلة الاستقراء وحلها

علم بلا استقراء البتة

منهج جديد للعلم. (4) على هذا نخصص الفصل الثاني من هذا الباب؛ لعرض نظرية بوبر في أن «المعرفة موضوعية»، وفي الفصل الثالث تستغل هذه النظرية في «حل مشكلة الاستقراء»، وحينما تحل لن نجد مناصا من اعتبار «الاستقراء خرافة»، ولكننا رأيناه في الفصل الأول وثنا أعظم، تفانى في عبادته العلماء وفلاسفة العلم، على هذا نخصص الفصل الرابع لتأكيد أن الاستقراء محض خرافة، ولكن ما هو المنهج العلمي إذن؟ موضوع الفصل الخامس هو: «منهج العلم»، وفي نهاية هذا الباب فصل سادس لتقييم كل هذا تقييما نقديا، نناقش بوبر لنرى ما له وما عليه وإلى أي حد يؤدي كل ما سلف إلى حل المشكلة المطروحة للبحث: كيف يمكن تمييز المعرفة العلمية؟

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٣٣