إنهم الاستقرائيون المتعصبون تعصبا هو الذي قادهم اللاعقلانية، أبرز ممثليهم في الوقت الحاضر ستراوسون، الذي يرى أن الاستقراء ليس بحاجة إلى تبرير، تماما كما أن الاستنباط ليس بحاجة إلى تبرير؛ لذلك فالاستدلال الاستقرائي صحيح تماما، كما أن الاستدلال الاستنباطي صحيح.
87
وقد ذهب الباحث فارهانج تسابيه
Fahrhang Zabeeh
مذهب الفيلسوف ستراوسون، فقد رأى أن الاستقراء تماما كالاستنباط هو منهج لتبرير المعتقدات، المنهج نفسه لا يمكن أن يبرر، وإن كان من الممكن تحسينه،
88
وأكثر من هذا فقد اتخذ تسابيه من رأي بوبر نفسه في خرافية الاستقراء معينا له ... فقد أثبت بوبر أن الباحث يفترض قبل التجريب فرضا، ثم يجرب فقط لكي يمتحنه، فيكون القانون ليس مشتقا من الوقائع المستقرأة، وبالتالي لا استقراء البتة - كما سنرى بالتفصيل - لقد راح تسابيه يناظر هذا الافتراض السابق على التجريب بمقدمات الاستدلال الاستنباطي ... كي يثبت أن مكانة الاستقراء تكافئ منطقيا مكانة الاستنباط، رغم أنه أوضح أن بوبر يقصد بهذا استحالة الاستقراء وخرافيته، بل وأوضح أيضا أن بوبر في هذا الموقف قوي متماسك!
89
بالطبع مضاهاة الاستقراء بالاستنباط قول أجوف، وإلا فأين مشكلة الاستقراء التي تكاد تكون الفكرة الفلسفية الوحيدة المقبولة من الجميع، والتي تحكم حكما لا جدال فيه بأن الاستقراء غير صحيح
invalid . (ج)
الاستقرائيون المحدثون، سلموا بمشكلة الاستقراء، فقد أكد رايشنباخ فضل هيوم الكبير على الاستقراء بتأكيده استحالة وضع تبرير حاسم له،
90
لكنهم كانوا ليتركوا الاستقراء لو أنهم يبحثون به عن اليقين، لكن طالما أن جميع القوانين العلمية احتمالية، فلا بأس أن يكون أساس الاحتمال ليس ثابتا، أبرز من حاولوا تبرير الاستقراء على أساس الاحتمال كينز
Keynes
وبيرس ورايشنباخ.
91
لكن أبسط ما يقال لهم هو قول بوبر: إن الاحتمالية لن تنقذ الاستقراء، فإذا أسندنا درجة الاحتمالية للقضايا القائمة على استدلال استقرائي، فلا بد من تبرير درجة الاحتمالية عن طريق مبدأ استقرائي جديد، وهذا المبدأ الجديد لا بد من تبريره وهكذا ...
92
لا نلقى مناصا من الارتداد الذي لا نهاية له والذي يوقعنا فيه الاستقراء، إنهم لم يفعلوا شيئا أكثر من سحب السمة اللاعقلانية من القوانين اليقينية لتغطي أيضا الفروض الاحتمالية، والمحصلة أن العلم، سواء كان يقينا أم احتماليا، هو لاعقلاني. (د)
من المدارس التي استطاعت بحق حل المشكلة: المدرسة الأداتية التي ترى في العلم مجرد نسق منطقي من عبارات هي دالات منطقية؛ لأنها لا تعدو أن تكون محض أدوات تستنبط منها العبارات التي تعين على فهم العالم وتحقيق الهدف التكنولوجي للعلم.
وبهذا تنتهي مشكلة الاستقراء، فإذا كانت العبارة العلمية دالة وليست إخبارية فإنها لن تكون مجرد حصر لجميع الحالات التي وقعت في الخبرة، فتكون تحصيل حاصل، وهذا خلف لأنه مناقض للطبيعة الإخبارية، ولا هو قياس على الشاهد فتواجهنا مشكلة الاستقراء أن دالة القضية المنطقية تعفي نفسها من اختبار الصدق والكذب
93
ومن الاعتماد على الوقائع المستقرأة، الدالة المنطقية مقولة مبهمة غير محددة معفاة من أي قيود سببية أو استقرائية، فهي إذن بلا مشاكل.
هذا موقف متماسك فعلا، لكن المشكلة هي صعوبة التسليم معهم بافتراضهم الأولي من أن العبارات العلمية محض أدوات، فالغالبية العظمى ترى في العلم عبارات تركيبية إخبارية لها محتوى معرفي عن الواقع تعرقله مشكلة الاستقراء. (ه)
والجدير بالذكر حقا أن الوضعية المنطقية اضطرت إلى الالتجاء لهذا الملجأ الأدائي لكن فقط بالنسبة للقوانين الكلية، فاعتبروها محض قواعد أو أدوات للاستدلال على العبارات الجزئية
94
الإخبارية، فهي بغير محتوى معرفي تقيم حوله دلالته الإخبارية مشاكل استقرائية، بالطبع الرد عليهم نفس الرد السابق. (و)