تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Determinism ،

81 ⋆

والحتمية هي المذهب الذي يرى أن كل ما يقع في الكون من أحداث نتيجة حتمية للأحداث التي سبقتها ومقدمة ضرورية للأحداث التي ستلحقها ولا استثناء، فهذا الكون نظام مغلق صارم يؤذن حاضره بمستقبله، وتخضع سائر أجزائه لقوانين صارمة يكتشفها العلم، إنها تتحدث عن كون مثالي لممارسة التعميمات الاستقرائية.

وقد اعتمدت الحتمية على الصورة الميكانيكية التي رسمها نيوتن للكون، على أنه كتل تتحرك على السطح المستوي عبر الزمان المطلق في اتجاهه من الماضي إلى المستقبل، لتغدو كل حركة قابلة للتحديد والتنبؤ الدقيق.

لكن ظهرت نظرية النسبية لآينشتين التي تحطم هذه الخلفية المفترضة والضرورية للحتمية؛ أي فكرتي الزمان والمكان المطلقين، وظهرت نظرية الكوانتم، فلم نجد في عالم جسيمات الذرة الدقيقة أية مقدمات ضرورية ولا نتائج حتمية، ولا علية ولا اطراد على وجه الإطلاق، فانهارت الحتمية بعد أن كانت هي نفسها حتمية ورفضتها الغالبية العظمى من الفلاسفة والعلماء المعاصرين، وتشبثت بها قلة.

لكن الغلبة بلا شك لأساطين العلم الرافضين، وبالطبع ينضم إليهم بوبر، فهو يعتبر الحتمية كابوسا مزعجا ويحمد الله كثيرا لأنه خلص البشرية منها.

82 (4) وبعد انهيار السببية والاطراد ثم الحتمية، أصبح الاستقراء مبدأ لاعقلانيا، بل ليس بمبدأ البتة، فإذا سئلنا مثلا: لماذا نعتقد أن الشمس سوف تشرق غدا؟ سنجيب: لأنها في الماضي أشرقت كل يوم، وهذا مثل أي تعميم استقرائي ليس له ما يبرره. «إلا أن أحدا قد يقول: لكننا في الواقع نستطيع التنبؤ بالوقت الدقيق الذي سوف تشرق فيه الشمس غدا؛ وذلك بواسطة القوانين الثابتة في الفيزياء كما تنطبق على أحوال مثل تلك التي نعيشها هذه اللحظة، غير أن هذا يمكن الرد عليه مرتين، فأولا حقيقة أننا قد وجدنا أن قانون الفيزياء يصح في الماضي لا يستتبع ذلك منطقيا أن يستمر في الصحة في المستقبل، ثانيا أن قوانين الفيزياء هي نفسها عبارات عامة لا تتضمنها منطقيا وقائع الملاحظة التي تساندها مهما كثرت وتعددت» ...

83

إنها هي نفسها قائمة على أساس الاستقراء الذي جئنا بها لتقيمه، وقد يستمر الجدل والنقاش فندعي أننا نملك السبب الذي يعلل أن المستقبل سوف يماثل الماضي؛ ذلك لأن كل المستقبلات الماضية قد شابهت كل الماضيات الماضية إلا أن الخبرة التي لدينا هي بالمستقبلات الماضية،

84

ها نحن ذا ما زلنا نحتاج إلى تعميم أحداث الماضي على المستقبل على أساس الاستقراء، وهذا الدوران المنطقي ينطبق على شق المشكلة الأول الخاص بالسببية، فكلما تكرر توالي «ب» ل «أ» استنتجنا أن «أ» علة ل «ب»، لماذا نعتبر «أ» علة ل «ب»؟ لأن «ب» تتبع «أ » دائما، ولماذا تتبع «ب» «أ» دائما؟ لأن «أ» علة «ب». (5) هكذا تعقدت مشكلة الاستقراء واستعصت على الحل، وهذا رسل يصفها بأنها واحدة من أصعب المشاكل الفلسفية وأكثر إثارة للمناقشة والجدل،

85

فقد حيرت الفلاسفة منذ هيوم وحتى الآن، وحين عجزوا عن حلها وقفوا منها عدة مواقف، هاك أمثلة لها: (أ)

المنطق الأرسطي، وقد كان متضمنا لباكورة الاستقراء، قد حل هذه المشكلة بادعاء أن كل استدلال استقرائي يحتوي على مقدمة كبرى عقلية قبلية مؤداها أن الصدفة لا تتكرر دائما ولا حتى كثيرا، ومقدمة صغرى هي «أ» و«ب» اقترنتا في كل الحالات المستقرأة، إذن «أ» علة ضرورية ل «ب».

86

وواضح أن هذا لا يحل المشكلة بل يؤكدها، يؤكد وقوعها في الأولية

Apriorism

وما زالت المشكلة قائمة، من أين أتينا بهذه المقدمة الكبرى؟ (ب)

التجريبيون المتطرفون التقليديون قالوا: لا داعي لإثارتها، فالعلم يتقدم سواء حلت هذه المشكلة أم لا، وهم بهذا دعاة لما يمكن أن نسميه باللاعقلانية التجريبية.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٩