تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد، فإن أطروحتي المتواضعة جدا، قد تجللت وتكللت بأن ناقشتها - في السابع عشر من شهر يونيو عام 1981م - لجنة من كبار أساتذة الفلسفة في مصر، مكونة من أستاذتي الأثيرة الدكتورة أميرة مطر رئيس قسم الفلسفة بآداب القاهرة، وأستاذي الجليلين الدكتور يحيى هويدي والدكتور صلاح قنصوة، وقد أجازتها اللجنة بامتياز، مع التوصية بتبادلها مع الجامعات الأخرى.

ويبقى امتناني وعرفاني لزوجي الفاضل، فبفضل ما أفاءه علي من ظلال وريفة طوال رحلة العمر؛ استطعت إنجاز هذا العمل، وكل ما أنجزته قبله وبعده، بتوفيق من العزيز الحكيم.

يمنى طريف

منيل الروضة، في فبراير 1988م

بدأ عملي في فلسفة العلم منذ خريف عام 1919م، حينما كان أول صراع لي مع المشكلة: متى تصنف النظرية على أنها علمية؟ أو هل هناك معيار يحدد الطبيعة أو المنزلة العلمية لنظرية ما؟

لم تكن المسألة التي أقلقتني، متى تكون النظرية صادقة، ولا متى تكون النظرية مقبولة، كانت مشكلتي شيئا مخالفا، إذا أردت أن أميز بين العلم والعلم الزائف،

1 ⋆

وأنا على تمام الإدراك بأن العلم يخطئ كثيرا، وأن العلم الزائف قد يحدث أن تزل قدمه فوق الحقيقة.

كارل بوبر

Conjectures and Refutations, p. 33

ما زلت أعتبر معيار القابلية للتكذيب مركز فلسفتي.

كارل بوبر

Replies to my Critics

إنه طريقة وقائية تحدد ما هو علمي وما هو غير علمي في مجال العلم، فتحمي العلم من الأفكار الدخيلة والأعشاب الضارة، والنظريات الخاطئة غير العلمية والأفكار البالية، وترسم مبادئ ثابتة تساعد على استقرار العلم.

لنوربرت فيير تصريح شهير فحواه أن 5٪ من الرياضيات هي من صنع الرياضيين والباقي قدره 95٪ يقوم بدور وقائي في حماية الرياضيات من آفة النظريات التي تفتقر إلى قدر كاف من الدقة.

ف. ف. ناليموف

مقتبسا من مقال «قبول الفرضية العلمية»

| المقدمة

(1) أهمية البحث في فلسفة العلم، وعند كارل بوبر (1) إحدى وجهات النظر الشائعة في تبيان ماهية الفلسفة، وما وظيفتها وجدواها، هي تلك الوجهة من النظر التي يتبناها كثير من الفلاسفة المعاصرين - لا سيما التحليليين منهم - التي تنظر إلى الفلسفة بوصفها تحليلا للمقومات والعمد والدعائم التي تقوم عليها الحياة العقلية في العصر الذي توجد الفلسفة بين ظهرانيه، فإن كانت تلك العمد دينية - كالعصور الوسطى - كانت مهمة الفلسفة تحليل دعائم الدين وإثبات مقوماته؛ بعبارة أخرى كانت الفلسفة هي فلسفة الأديان. وإن كانت تلك العمد سياسية اجتماعية - فرنسا إبان ثورتها مثلا - كانت مهمة الفلسفة تحليل النظم السياسية القائمة والتي ينبغي أن تقوم، والبحث في مقومات المجتمع وعناصره وطريقه إلى الحياة المثلى ... وهكذا.

وغني عن الذكر أن عصرنا هذا يحتل العلم مكان السبق من واجهته العقلية والفكرية والثقافية حتى شاع نعته بأنه عصر العلم، وتمشيا مع هذه الوجهة من النظر، تكون فلسفة العصر الراهن أولا وقبل كل شيء هي الفلسفة التي تحاول فهم ظاهرة العلم فهما يعمقها، فتبحث في خصائصه ومقوماته والتنظيم الأمثل لمناهجه، ومحاولة حل مشاكله التي تخرج عن دوائر اختصاص العلماء؛ أي فلسفة العلم.

هذا ما يراه بعض أقطاب المدارس المعاصرة، الذين بهر التقدم الساطع للعلم أنظارهم فآمنوا بعلمية الواقع وعلمية الحياة الإنسانية، وأرادوا أن تنسحب هذه الخاصة العلمية على الفلسفة مثلما انسحبت على سائر قطاعات الحياة، فتكون الفلسفة إما علمية - أي تحل المشاكل الفلسفية التقليدية مستفيدة بإنجازات العلم، كما يرى رسل مثلا

1 - وإما مقصورة على فلسفة العلم، أي تبحث في مشاكل العلم فقط، كما يرى الوضعيون المناطقة مثلا. إنهم معبرون عن تيارات أخذها العلم جملة وتفصيلا، فنجد الكثيرين من المشتغلين بالفكر الفلسفي، لا سيما في الغرب حيث معقل العلم، يقرون كبديهية في غير حاجة إلى نقاش أن كل ما عدا فلسفات العلم ومناهج البحث، من مخلفات عصور الجهالة، ينبغي أن يوضع في متاحف التاريخ. (2) وإن كان عرض هذه الفكرة لا يحمل اقتناعا بها، فإن الاقتناع - كل الاقتناع - بأن فلسفة العلم لا يجادل أحد في جدواها بالنسبة للفكر المعاصر، وهي من ناحية ثانية أقل فروع الفلسفة حظوة في المكتبة العربية، ومن ناحية ثالثة فبحكم كونها نقطة التقاء بين القطبين الأساسيين لنتاج العقل ومحوري المعرفة «العلم والفلسفة» فإن البحث فيها أكثر إثراء. هذا كله بالإضافة إلى أن فلسفة العلوم الطبيعية بالمعنى الناضج المعاصر لم يكتمل نموها، ويتم الاعتراف بها كعلم مستقل قائم بذاته، إلا بعد أن ازدهرت العلوم الطبيعية نفسها ازدهارا فائقا في الآونة الأخيرة؛ لذلك فهي أصغر الأبناء في الأسرة الفلسفية؛ ومن ثم أحقهم بالعناية، أين هي من فروع الفلسفة الأخرى التي يعد عمرها بالمئات من السنين وتكاد تكون قد قتلت بحثا ودراسة؟! (3) وبخلاف دوائر احتراف التفلسف، فإننا من الناحية القومية، لو أردنا اجتياز الهوة الحضارية السحيقة التي تفصلنا عن الغرب، وتدارك ما فاتنا من خطواته العلمية الواسعة، فالخطأ كل الخطأ يتمثل في تعجيل الوصول إلى عصر العلم دون تأصيل لمناهجه، عن ظن بأننا نستطيع أن نأخذ بما حققته الدول التي سبقتنا على الطريق، غير ملتفتين إلى الطريق نفسه: من أين بدأ، كيف اتجه وسار.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢