تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

77

وكان هذا هو التفسير الذي لزم العلم الطبيعي، وثبته وقواه مل حين وضع مناهج اكتشاف العلل.

وأول متحد ظهر لهذا الافتراض الراسخ هو توماس هوبز

Thomas Hobbes (1588-1679م)، وهو تلميذ لفرنسيس بيكون ومساعد له، نظر في منهج أستاذه فرضي تماما عن اعتبار التجريب الحسي مصدرا للمعرفة، غير أن الحواس لا تعطينا ذلك الكائن الغيبي المسمى بالسببية، فكيف نربط بين المعطيات الحسية عن طريقها، بل وربطا معمما؟ لكن هوبز على الرغم من ماديته وتجريبيته بل ونزعته العلمية المتطرفة، كان شديد الإعجاب بالرياضيات؛ لذا لم يؤمن أبدا بجدوى الاستقراء، وبالتالي لم يتوقف كثيرا عند السببية، فكان أول متحد ذي خطر لها هو هيوم الذي بدأت معه الفلسفة الحديثة للسببية.

وهيوم هذا تجريبي شديد التطرف، لا يعترف بمصدر للمعرفة إلا انطباعات الحس التي تخلف وراءها الأفكار، وكل ما يخرج عن المنطق والرياضة لا بد وأن يرتد إلى انطباعات الحس، وإلا كان حديث خرافة، والسببية ليست علاقة منطقية، فلا بد إذن أن نبحث عن أصولها في الخبرة الحسية، غير أن الحواس لا تعطينا إلا سلسلة من الأحداث متعاقبة زمانيا ومتجاورة مكانيا، وكل ما أدركناه هو وقوع هذه الأحداث في هذا الآن وعلى هذا النحو، ولم يصل إلى انطباعاتنا للحسية ما يفيد بالعلاقة العلية بينهما، فمن أين أتينا إذن بالاعتقاد في السببية؟ هذا اعتقاد ليس له ما يبرره لا تجريبيا ولا منطقيا.

وقد أثار هيوم مشكلة السببية في الصورة الآتية: لماذا نستنتج أن المؤثرات المعينة سوف يكون لها بالضرورة تلك الآثار المعينة؟ ولماذا نستدل من الواحدة على الأخرى؟ ثم اتخذت المشكلة فيما بعد صورة تساؤل أكثر عمومية هو: لماذا نخرج من الخبرة بأي استنتاجات تتجاوز الحالات الماضية التي مرت بخبرتنا؟ أي لماذا نمارس الاستقراء؟

وهي أسئلة بغير إجابة، فقد أوضح هيوم أن أي إجابة سوف تلتجئ إلى مبدأ عام يحكم بأن الحالات التي لم تمر بخبرتنا لا بد وأن تماثل تلك التي مرت، وأن مسار الطبيعة يسير دائما بصورة مطردة،

78

غير أن الاطراد بدوره ليس له ما يبرره.

مشكلة الاطراد

حين نلاحظ أن الحادثة «أ» قد أعقبتها في أكثر من مرة أو حتى في كل المرات الحادثة «ب»، فإننا لا نستطيع الاعتقاد بأن ذلك قد نشأ لأن «أ» علة معلولها «ب» - فقد رفضنا السببية - بل لأن «أ» قد أعقبتها «ب» فحسب، وليس لدينا ما يبرر توقع الحادثة «ب» حين نرى الحادثة «أ» مرة أخرى، فتوقع الاطراد عادة مسألة سيكولوجية بحتة وليست منطقية حتى نأخذها أساسا للمعرفة، وينطلق هيوم مستغرقا في تحليلات سيكولوجية للاعتقاد وأبعاده وأثر التكرار، تحليلات يخرج منها بأن افتراض الاستقراء وهو فقط تكويننا السيكولوجي ولا نملك أن نحيد عنه، التكرار يرسخ في الذهن الاعتقاد في قانون الطبيعة.

وإن تكرار الخبرة التي يقع فيها «ب» بعد «أ» تخلق في الإنسان عادة لتوقع «ب» كلما رأى «أ»، وليس في الإنسان فحسب، بل - كما يقول رسل - وفي الحيوان أيضا، والحيوانات المنزلية تتوقع الطعام حين ترى الشخص الذي يطعمها عادة،

79

ولكن أوليس قد يأتي يوم يطيح فيه برقبة الدجاجة نفس الشخص الذي اعتادت الدجاجة أن تتلقى منه الطعام كل يوم؟ ذلك يعني أن تكرار الخبرة لا يعني شيئا، فمن أدرانا أن الطبيعة لن تفعل بنا ذلك في الغد، فتسممنا ثمرة فاكهة اعتدنا أنها شهية، وإذا كان الاطراد هكذا بلا أساس، فلا بد وأن ينهار الاستقراء؛ لأن التنبؤ هو هدفه؛ إذ يمكن أن نضع الاستقراء على الصورة الآتية: «عمم الاطراد المكتشف في الأحداث الملاحظة، وضعها كاطراد يحكم كل الأحداث من نفس النوع.»

80

حكما يتنبأ بوقوعها في كل مكان وزمان، والآن كيف يمارس العالم التنبؤ، وهو سر الروعة الأخاذة للعلم، طالما أن اطراد الطبيعة افتراض وجب استبعاده، مثله مثل السببية، فهما مرتبطان بعلاقة تبادلية، وقد سقطا معا على أي حال. (3) وفي إطار الحديث عن انهيار السببية والاطراد تلوح مشكلة شهيرة في فلسفة العلم، جديرة حقا بالذكر، وهي مشكلة انهيار الحتمية

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٨