تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونلاحظ أن الدوران المنطقي هنا شديد الوضوح، فمبدأ الاستقراء قد أتينا به من نفس الاستقراء، من التجريب الذي دلنا على السببية، وهو على هذا مرفوض بالطبع؛ لأنه يقود إلى ارتداد لا نهاية له

Infinite Regress ، نقيم الاستقراء بمبدأ استقرائي نبحث له عن أساس فنأتيه بأساس استقرائي نبحث له عن أساس ... وهكذا.

الاتجاه العقلي

وهو يتفق مع الاتجاه السابق في أن الاستقراء يعود إلى السببية ولكن السببية مبدأ عقلي سابق على التجربة، إذن مبدأ الاستقراء كامن في الذهن سلفا، ولم نشتقه من التجريب الاستقرائي، أهم الممثلين لهذا الاتجاه: إيمانويل كانط (1724-1804م) وبرتراند رسل.

وهذا الاتجاه مرفوض بدوره؛ لأنه يقود إلى الأولية

Apriorism

أي الإيمان بمبادئ أولية، تدعي أنها كامنة في الذهن سلفا، وهم في العادة يلجئون إلى هذا الادعاء حين يستحيل عليهم العثور على مصدر معقول لهذه المبادئ، لكن المبادئ العقلية لا تكون إلا تحصيل حاصل؛ فالعقل لا يستقل بنفسه إلا في التعامل مع العلوم الصورية التحليلية كالمنطق والرياضة، فيكاد يقتصر عمله على فك الرموز وإعادة تركيبها دون أن يأتينا بفتوى عن الواقع، لكن من الواضح أن قانون السببية قضية إخبارية تركيبية، فكيف للعقل الخالص أن يكون مصدرها كما ادعى كانط ورسل؟

إذن مصدر المبدأ لا يمكن أن يكون العقل، وقد سبقت استحالة أن يكون مصدره التجربة، هكذا فإن أية محاولة لوضع مبدأ الاستقراء، إما أن تقود إلى ارتداد لا نهاية له، وإما أن تقود إلى الأولية،

75

لقد استحال تأسيس الاستقراء على مبدأ، فكيف إذن نقيم العلم على غير ذي مبدأ؟ لقد أصبح هذا المنهج موضع شك كبير ومشكلة تؤرق الفلاسفة تعرف باسم مشكلة الاستقراء. (2) وهذه المشكلة لا تقتصر على البحث عن مبدأ، بل هي أساسا قائمة في صلب الاستقراء، وإن كانت نتيجة لمشكلة أخرى هي مشكلة السببية والاطراد، اللذين يبرران الاستقراء.

فقد أتانا ديفيد هيوم

David Hume (1711-1776م) في أواسط القرن الثامن عشر حاملا معه تساؤلات واعتراضات جد خطيرة، خطيرة حول المبررات المنطقية للاعتقاد في هذين القانونين، وبالتالي في صحة الاستقراء الذي يستند عليهما:

مشكلة السببية

إذا كان الاستقراء منهجا يحقق هدف العلم الطبيعي من الكشف عن العلاقات العلية، فهو إذن يفترض مسبقا فكرة العلية أو السببية، والسببية بدورها راسخة رسوخ البداهة في التفكير الفلسفي قبل التفكير العلمي، وفي تفكير الحياة اليومية قبلهما؛ فالحس المشترك والفلسفة والعلم التقليديان يعتبران ترتب ظاهرة على أخرى ترتبا متكررا مطردا مرجعه إلى السببية التي تجعل الظاهرة الأولى علة والثانية معلولا لها.

وتعود الأصول الأولى للسببية إلى افتراض الفلاسفة الميتافيزيقيين أن كل ما يحدث في الطبيعة يمكن أن ينحل إلى حوادث منفردة قد تتجمع أزواجا أزواجا على صورة تكون فيها حوادث كل زوج متصلة بعلاقة العلة والمعلول،

76

وحين جاء أرسطو فسر فكرة السببية تفسيرا يوائم العقلية الميتافيزيقية الإغريقية؛ إذ اعتبرها، بمبادئها الأربعة؛ المادية والصورية والفاعلة والغائبة، فكرة أولية سابقة على الوجود ومسببة له، فهي إذن إحدى الأفكار التي يتوصل إليها العقل الخالص معتمدا على نفسه، ثم يفهم الوجود عن طريقها؛ ولذلك اعتبر أرسطو هدف العلم الطبيعي هو الكشف عن علل التغير في الكون، وجاء المدرسيون من فلاسفة العصور الوسطى، فسلموا بالسببية تسليما يوائم الدين، حين قبلوها بمعنى العلة الفاعلة الأرسطية أحيانا، بمعنى القوة الخفية التي تنتج الظواهر أحيانا أخرى، وبالمثل افترضت الفلسفة الديكارتية العلاقة العلية بوصفها علاقة ضرورية، إلى أن جاء فرنسيس بيكون فكان أول من ذهب من المحدثين إلى تفسير معنى السببية على أنها علاقة توضح معنى الاطراد في ظواهر الطبيعة،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٧