47
ومعروف عن مل إخلاصه وتفانيه في البحث والعمل؛ لذلك استفاد من أبحاث سابقيه؛ أولهم ريتشارد ويتلي
Richard Whately (1787-1863م) رئيس أساقفة دبلن؛ إذ نشر عام 1826م «كتابه عناصر المنطق
Elements of Logic »، ورغم أنه كتاب مدرسي في المنطق الأرسطي، إلا أنه هو الذي نمى في مل النزوع إلى المنطق والانشغال ببحوثه،
48
وأهم من ويتلي بحوث الموسيقار والعالم الفلكي الألماني البارز سير وليام هرشل
William Herschel (1738-1822م) الذي صنع بنفسه وبمعاونة شقيقته كارولين هرشل مرصدا يحوي عديدا من التلسكوبات المحسنة، وهو وصل إلى العديد من الاكتشافات الفلكية الخطيرة، على رأسها كوكب أورانوس (في 13 / 3 / 1781م) واكتشف أقماره، كما اكتشف القمرين السادس والسابع لزحل، وقد تميز هرشل بأنه استقرائي كبير، فزود المهتمين بالاستقراء بثروة من المادة مستقاة من العلوم الطبيعية، وقد أصدر كتابا بعنوان: مقال تمهيدي لدراسة الفلسفة الطبيعية
Preliminary Discourse on the Study of Natural Philosophy ، وضع فيه إرشادات تشبه المناهج التي وضعها مل في كتابه الشهير «نسق المنطق»، وفي هذا الكتاب لا يمكن إغفال ألكسندر بين
Alexander Bain (1818-1903م)، أبرز تلاميذ مل وأقرب أصدقائه، فقد وافق على مراجعة الكتاب بأسره مع تركيز خاص على الاستقراء، وقد نفذ مل كثيرا من مقترحاته حرفيا.
49
وهذا هو الكتاب، الذي حاول مل أن يحقق فيه حلمه بأن يكون نبي الاستقراء مثلما كان أرسطو نبي القياس، وكما وضع أرسطو للقياس أشكالا وضروبا، فقد وضع مل للاستقراء مناهج أو لوائح خمسا، يمكن للباحث عن طريقها التحقق من صحة الفروض التي افترضها؛ بغية اكتشاف العلاقات العلية التي تحكم الظواهر الطبيعية، ومعروف أن العلية هي محور تفكير مل، فهو من أبرز من آمنوا بالعلية وبضرورتها وبحتميتها التي لا تقبل أدنى استثناء، ولا حتى نقاش واهتمامه الأساسي بالمنطق منصب على خصائص القوانين العلية العمومية، وشرح المناهج التي يمكن أن تقيمها،
50
والتي هي مناهج الاستقراء، وهذه المناهج هي: (1)
منهج الاتفاق
Method of Agreement :
أي التلازم في الوقوع، وهو ينص على أنه إذا اتفق مثالان أو أكثر للظاهرة المطروحة للبحث، في نفس الظرف كان هذا الظرف الذي تتفق فيه كل الأمثلة علة (أو معلولا) لهذه الظاهرة.
51
يقوم هذا المنهج على أساس تلازم العلة والمعلول في الوقوع؛ بحيث إذا حدث الأول تبعه الثاني، والعكس بالعكس، ويستلزم هذا المنهج جمع أكبر عدد ممكن من الحالات التي تبدو فيها الظاهرة والمقارنة بين عناصرها؛ أي البحث عما هو السابق واللاحق في حدوث تلك الظاهرة، فالسابق هو العلة واللاحق هو المعلول.
ويمكن التعبير عنه رمزيا كما يلي:
الظاهرة: «أ»1 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ج. د. ه. «أ»2 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. و. ز. ح. «أ»3 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ط. ي. ك. «أ»4 أعقبتها أو اقترنت بها ظواهر: ب. ل. م. ن.
52
وهذا المنهج يعبر عن طريقة شائعة الاستعمال في الحياة اليومية، أكثر منها في البحوث العلمية، ونقدها أظهر من أن يذكر؛ فالظواهر الطبيعية ليست بهذه البساطة بحيث يظهر دائما العامل الواحد الذي لا يتغير، فالظروف متشابكة تختلط ببعضها، والعنصر قد يتضافر هو وعنصر آخر في جميع الأحوال، دون أن يكون هذا العنصر علة حقيقية له إنما يوجد بالعرض دائما.
لذلك شأن هذا المنهج يشجع مغالطة أخذ ما ليس بعلة على أنه علة؛ فقد يكون توالي حدوث العامل ليس بعلة بل مجرد مصادفة.
ويعضد هذا النقد الكشف الحديث من أنه لا حتمية في العلم، ومن إعطاء الدور الأكبر للمصادفة - أي للاحتمال - في القوانين العلمية، بينما كان مل، وعصر مل مشبعا بالحتمية حتى النخاع، حتمية اقتران العلل بالمعلولات والظروف ببعضها، وهو على أية حال منهج ضعيف، حذر كلود برنار من الاعتماد عليه، وإن كان من الممكن تقليل خطورته بتنويع التجارب قدر المستطاع، كما نصحنا فرنسيس بيكون من قبل. (2)