William Whewell (1794-1866م) فهو أيضا من أبرز الرواد في حقل الدراسة الفلسفية للمنهج العلمي، مؤكدا أنه الاستقراء والإضافة الحقيقية لويول هي تأكيده للنقطة الغامضة
Mysterious step
في الانتقال من الملاحظة إلى القانون، وعلى أساس هذه الخطوة طور ما أسماه بالمنهج الغرضي الاستنباطي
hypothetico-deductive Method ، وهو تشكيل عدة فروض للاختيار بينها،
39
لقد كان تفكير ويول متقدما بدرجة معجزة، «وكان أسبق من عصره بكثير فقد صحبه شعور في السنوات الأخيرة من عمره بضرورة إسقاط الاستقراء؛ لذلك نادى بالمنهج الفرضي الاستنباطي، أحدث النظريات المنهجية، لكن عصر ويول لم يكن يسمح له بالتخلي عن الاستقراء؛ لذلك اكتفى بالقول: «إن الاستقراء والاستنباط يصعدان ويهبطان نفس الدرج»،
40
يعني بذلك نفس ما يعنيه عالم المنطق الكبير ستانلي جيفونز
William Stanely Jevons (1835-1882م) الأستاذ في جامعة لندن بقوله: إن كل استدلال استقرائي ليس إلا تطبيق استدلال استنباطي معكوس.»
41
ولقد تعرض ويول لنقد عنيف من «مل»،
42
الذي اعتبر فكرة الفرض عند ويول نزوعا منه نحو المثالية الألمانية، وتأثرا بفلسفة كانط، وكانت هي وسائر الفلسفة الألمانية في نظر مل كتابا مغلقا بسبعة أختام، لم يجد في نفسه أدنى رغبة لفتحه، ولكن لا نقد ولا نقد غيره، ينفي عن ويول الفضل العظيم في التأكيد على أهمية الفرض، وذلك في كتابيه الشهيرين: «تاريخ العلوم الاستقرائية» الذي صدر عام 1837م، ثم «فلسفة العلوم الاستقرائية». (7) أما عن جون ستيورات مل
John Stiwart Mill (1806-1873م) فهو تجريبي شهير، متطرف في تجريبيته؛ فقد بلغ إيمانه بالاستقراء مبلغا لم يبلغه أحد لا من قبله ولا من بعده؛ فهو - في نظره - الطريق الأوحد، الذي لا طريق سواه، إلى أية معرفة حقيقية صحيحة، فكل المعلومات والمبادئ والأفكار والمفاهيم ... باختصار كل مكونات الذهن ومحتوياته مجرد تعميمات استقرائية، لا يستثنى من ذلك شيء البتة، حتى قوانين الرياضة البحتة مثل القضية: (2 + 2 = 4)، بل وحتى قوانين الفكر الصورية كالذاتية والهوية وعدم التناقض، كلها ليست إلا تعميمات استقرائية لكثرة ما لاحظته حواسنا من أن اقتران 2 و2 ينتج عنه دائما 4، ومن أن «أ» هي دائما «أ»، فهذا لا يعني أكثر من تقرير ما نفعله في خبراتنا التي هي أولا وأخيرا حسية، فمصدرها فقط هو الذاكرة، وتفسر فقط على أساس قوانين تداعي المعاني؛ لذلك يبدو طبيعيا أن «يعتبر مل المنطق الاستقرائي هو الأصل، والمنطق الصوري فرعا منه.»
43
ومن زاوية الحديث المنطقي، فإن أعظم ما يسجل لمل هو نقده المعروف للقياس الأرسطي، وعلى الرغم من أن مل قد عاش قبل ثورة المنطق العظيمة؛ الثورة الرياضية الرمزية، التي تفجرت تماما مع جورج بول
George Boole (1815-1864م)، وعلى الرغم من أن المنطق أيامه كان لا يزال يعني منطق أرسطو،
44
فإن مل في مقدمة الثائرين الرافضين لهذا المنطق؛ فأكد على ضرورة وضع منطق الحقيقة
Logic of Truth
كما وضع أرسطو منطقا للاتساق؛ إذ رفض مل اعتبار المنطق متعلقا بالبرهنة أو إقامة الحجج؛ لأن هذه هي النظرة الأرسطية، أما هو فالمنطق في عرفه متعلق بالبحث عن الحقائق، وتعقبها في الواقع التجريبي، والذي لا واقع سواه، على أن تكون هذه الحقائق نتائج الاستدلال - الاستدلال الاستقرائي بالطبع - وليست البتة حقائق حدسية،
45
فالاستقراء هو منطق العلم، وهو ذاته منطق العمل والحياة،
46
وهو يعني استدلالا حقيقيا، أما منطق أرسطو فمجرد استدلال ظاهري وليس حقيقيا؛ فهو لا يتضمن أية إضافة، النتيجة لا بد وأن تكون موجودة سلفا في المقدمة الكبرى؛ لذلك فهو تحصيل حاصل ومصادرة على المطلوب ودوران منطقي ... إلى آخر ما قاله مل في نقده المعروف للمنطق الأرسطي، والذي انتهى منه إلى أن هذا المنطق أسلوب تفكير لا يناسب إلا الله، الذي يعلم كل شيء، فيستنبط من هذا العلم الشامل ما يريد، أما نحن فبحاجة إلى معرفة جديدة، وهي معرفة لن تكون إلا بالاستقراء.