34
ويبدو عمق تفكير برنار في دعواه الملحة بضرورة اعتبار الظواهر الحيوية تماما مثل الظواهر الفيزيائية الكيميائية، نخضعها لنفس المنهج؛ أي التجريب؛ بغية تحقيق نفس الهدف؛ أي اكتشاف العلل القريبة؛ فالمنهج التجريبي ومبادئ البحث والتفكير واحدة في ظواهر الأجسام الجامدة، وظواهر الأجسام الحية على السواء. وقد تبدو هذه الدعوة مألوفة بل ومسلم بها الآن، غير أنها لم تكن هكذا أيام برنار، بل كانت الغلبة لفريق الحيويين، الذين يرون وجود قوة حيوية في الأجسام الحية لا تنفك تصارع القوى الفيزيوكيمائية، وإلا فكيف يحتفظ الحيوان بحرارته في الجو البارد مثلا، وكان كوفييه هو أبرز الحيويين المناهضين لبرنار، وكان تبعا لهذا يرى أن الفسيولوجي فقط علم ملاحظة واستنتاج تشريحي، ويقول: إن جميع أجزاء الجسم الحي مرتبطة وهي لا تعمل إلا متضامنة معا، والرغبة في فصل جزء من أجزاء الجسم معناها إرجاعه إلى نظام المادة الميتة، أي تغيير جوهره تغييرا كليا.
35
برنار بالطبع يؤكد الترابط المتسلسل في وظائف الجسم الحي، لكنه يرى أن هذا الترابط ذاته يمكن دراسته بالمنهج التجريبي كمادة محضة.
ولم يفت كلود برنار أن يدعو إلى التكميم والإحصاء، فأكد أن القانون لن يكون علميا ما لم يثبت عدديا علاقات الشدة الموجودة بين الظواهر وبعضها، وذلك في سياق ما أسماه «بالتجريب المقارن»؛ إذ يرى برنار أن جميع الأخطاء التجريبية تقريبا تنشأ من إهمالنا الحكم على الوقائع حكما مقارنا، أو من اعتقادنا بأن حالات معينة يمكن مقارنتها في حين أنها في الحقيقة مما يتعذر مقارنته.
36
ويتم برنار نظراته الثاقبة بتوضيح الفارق بين الفلسفة والأدب وبين العلم؛ فالفلسفة معبرة عن طموحات العقل البشري، من حيث هو عقل في أي زمان ومكان، والأدب يعبر عن عواطف غير قابلة للتغير؛ لذلك فهما من آيات التراث الإنساني، التي تظل إلى الأبد جديرة بالبحث والدراسة، ولكن العلم أمره مختلف؛ إذ هو يعبر عن حقائق، عن وقائع تجريبية تكشفت أمام الباحث، ولما كانت هذه الوقائع في ازدياد مستمر، كان العلم في تقدم مستمر وكان علم الأمس غير ذي جدوى لنا اليوم؛ لذلك يحذر برنار الطلبة من إضاعة أي وقت في البحث في كتب الأقدمين، ويؤكد لهم أن العالم في صعود مستمر في بحثه عن الحقيقة، وإذا قدر له ألا يجدها أبدا كاملة، فإنه يكتشف منها أجزاء هامة جدا، وهي تلك الأجزاء المقتبسة من الحقيقة الكلية التي تكون العلم؛ أي تبلج أمام برنار قبس من أحدث الاكتشافات المنهجية، وهي أن العلم لا يصل إلى نهاية الحقيقة أبدا؛ فقد أكد أن النظريات ليست سوى فروض، أثبتتها عدد قليل أو كثير من الوقائع، غير أن هذه الفروض لن تكون أبدا نهائية، فلا يجب أن نثق في صحتها بطريقة مطلقة، ولا يجب أن نهتم إلا قليلا بالفروض والنظريات، وأن نكون دائما في حالة يقظة وفطنة لملاحظة كل ما يظهر أثناء التجربة.
37
كل هذا يؤكد كم كان برنار كسبا عظيما للدراسات المنهجية ولا يزال وسيزال دائما.
أما عن أهم المآخذ التي نأخذها على برنار، فتتمركز في أنه للأسف من أبرز ممثلي النظرية المنهجية التقليدية من حيث كونها استقراء يوضح الروابط العلية الضرورية الحتمية التي لا تحتمل أدنى استثناء، بل وحتى حين يدعو الباحث دعوة متبصرة بأن يتسلح بروح النقد؛ لأن الحالة الراهنة لعلم الحياة لا تمثل إلا حقائق محدودة غير ثابتة مصيرها إلى الزوال، يعود فيقول: إن النقد التجريبي يشك في كل شيء، ما عدا مبدأ الحتمية العلمية والعقلية المسيطر على الوقائع.
38
وفعلا «مقدمة لدراسة الطب التجريبي» من أبرز المراجع التي تؤكد الحتمية، وصحيح أننا عرفنا اليوم أنها خرافة، غير أن برنار لا حيلة له في ذلك، فقد عاش في القرن التاسع عشر، العصر الذهبي للحتمية. (6) أما الفيلسوف الإنجليزي وليام ويول