55 ،
56 ⋆
ويعلق جان فوراستيه على هذا قائلا: إنه نموذج لرد فعل عميق في حضرة حدث منعزل والحل الذي تفرضه المحاكمة التجريبية هو إعادة الملاحظة في حين أن هذا مستحيل في الحالة التي تدرسها هنا؛
57
لذلك كانت غير ذات قيمة علمية، بعبارة أخرى: لن ندعها تفند النظرية الباثولوجية المتعلقة بمرض التهاب الصفاق السلي؛ لأنها واقعة تنقلها عبارات أساسية شاردة لا يمكن استرجاعها.
والعبارات الأساسية - القابلة للاسترجاع - المفندة لنظرية ما لن نتركها هكذا مشتتة، بل لا بد من افتراض فرض يصفها، أي يمكن استنباطها منه، إنه فرض يصف الأثر القابل للحدوث مرارا وتكرارا؛ أي الذي ليس شاردا بحدث شارد، والذي يفند النظرية وسيكون فرضا مستوى عموميته منخفض، على أية حال أقل من مستوى عمومية النظرية وسيسمى الفرض المكذب.
58
والفرض المكذب يحل مؤقتا محل النظرية العلمية؛ لذلك لا بد وأن يكون علميا تجريبيا أي قابلا للتكذيب فيدخل في علاقات منطقية مع فئة عبارات أساسية معينة، بل أكثر من هذا لا بد حين نعرضه لاختبار التكذيب أن تكون نتيجة الاختبار هي التعزيز؛ لأنها لو كانت لتكذيب سنرفضه ونبحث عن فرض مكذب آخر نتيجة اختباره هي التعزيز فيحل محله، ولنلاحظ أن العبارات الأساسية التي فندت النظرية هي ذاتها التي تعزز الفرض المكذب لها في نفس الوقت.
ومن المهم إذن أن نميز بين فئة العبارات الأساسية الممكنة، وهي فئة كل العبارات الأساسية المحتلة، وبين فئة العبارات الأساسية المقبولة
Accepted
وهي التي ننتقيها من تلك العبارات الأساسية الممكنة لتكون أساس الحكم على النظرية، سواء كان تكذيبا أو تعزيزا تبعا لنتيجة الاختبار، ولنلاحظ أن نتائج الممارسة المنهجية في العلم، تعتمد أولا وأخيرا على قرار قبول عبارات أساسية معينة دون غيرها.
على هذا النحو يبدو مفهوم التكذيب بلا أية مشاكل منطقية، خصوصا وأن قواعد المنطق تسلم بأن مثالا نافيا واحدا يكذب النظرية مهما كانت عموميتها ، لكن هيلاري باتنام اعترض على مفهوم التكذيب اعتراضا يتلخص في أن مفهوم التكذيب ليس حاسما في العلم تماما مثل التحقق، وأن هذا سيفند نظرية بوبر لكن لا يفند الاستقراء، مما يعني أن بوبر لم يحل مشاكل ولم يأت بجديد كما تصور.
59
بالطبع أخطأ باتنام، فهو أولا لم يميز بين الوجه المنطقي الحاسم، وهنا التكذيب يفوق التحقيق الاستقرائي ويحل مشاكله بلا أدنى جدال؛ نظرا للاتماثل المنطقي بينهما، وبين الوجه الميثودولوجي المبهم الغامض، المتوقف على اتخاذ القرارات وهذا سنناقشه في الجزء الرابع من هذا الفصل، مناقشة توضح أنه يفوق أيضا التحقق.
التعزيز
Corroboration
إذا تعرضت النظرية لاختبار القابلية للتكذيب، واستنبطنا منها عبارات أساسية جديدة، وكانت هذه العبارات متوافقة مع الواقع، بعبارة أخرى لم نجد فئة عبارات أساسية تناقضها، فقد تم تعزيز النظرية، بمعنى أنها قد صمدت لامتحان التكذيب، فأثبتت مادتها فلا بد من قبولها فقط؛ لأننا ليس لدينا داع لرفضها، فالتعزيز - الذي هو جواز مرور الفرض إلى عالم العلم - هو مدى صمود الفرض أمام اختبارات منهج العلم القاسية، وكلما كانت الاختبارات أقسى كلما حازت النظرية التي تجتازها على درجة تعزيز أعلى، وكلما كانت النظرية أعظم أي أغزر في المحتوى المعرفي وأجرأ في القوة الشارحة وأكثر اقترابا من الصدق؛ أي أكثر قابلية للتكذيب، كلما تمكنت من الصمود أمام اختبارات أكثر قسوة؛ وبالتالي كلما كانت درجة تعزيزها أعلى؛ لذلك كان بوبر يؤكد دائما على قسوة الاختبار حتى لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلى نسق العلم بسهولة.
التعزيز هو النتيجة الإيجابية لكل ممارسة منهجية ناجحة، فالنجاح لا يعني أكثر من توصل العالم إلى فرض جديد يحل المشكلة بكفاءة عالية ويصمد أمام الاختبار، وحتى لو لم يكن الفرض الجديد قد كذب سابقه، فإنه يمكن أن يحل محله، لو صمد لاختبارات أقسى فحاز على درجة تعزيز أعلى؛ لذلك يمكن التعبير عن كل خطوة منهجية ناجحة بالصياغة الآتية: > «ف1، م ت» >