د «ف2، م ت»
60
حيث إن:
ف1:
الفرض الموجود في الحصيلة المعرفية السالفة.
ف2:
الفرض الجديد الذي ينافسه.
د:
درجة تعزيز الفرض.
م:
في ضوء مناقشة الفرض، في الوقت «ت»: م ت. > :
أقل من.
هذه الصياغة تبرر قبول «ف2»؛ إذ تعني أن درجة تعزيز «ف1» في ضوء مناقشاتنا في الوقت الراهن، أي إمكانية قسوة الاختبار التي نستطيعها بوسائلنا الآن، أقل من درجة تعزيز الفرض الجديد في ضوء هذه المناقشات؛ مما يعني أن نسق العلم سنحذف منه «ف1» ونضع بدلا منه «ف2»؛ لأنه أكثر تعزيزا.
وكل ذلك دون أن نجنح إلى أية مفاهيم احتمالية بمعنى حساب نسبة حدوث الفرض إلى متتالية معينة من الأحداث، فمفهوم التعزيز لا علاقة البتة بالاحتمالية، إنه يشير إلى قوة الفرض ذاته، مدى صموده أمام الاختبارات القاسية؛ وبالتالي إلى مدى عقلانية قبوله، وكل ذلك لا علاقة له البتة بالاحتمالية تبعا لمنطق بوبر
61
التي هي احتمالية الأحداث.
والتعبير عن تفاوت درجات التعزيز بالصياغة الرمزية السالفة، يبرز اختلافا أساسيا بين بوبر وبين جمهرة المناطقة المعاصرين؛ إذ توضح أن قياس تفاوت درجة التعزيز يعني مقارنة الفرض الجديد بسابقه المطروح في الحصيلة المعرفية وبينما يرى بيير دوهيم، ومن بعد العالم المنطقي الكبير كوين، أن اللزومات المنطقية
Consequences
التي تخضع للاختبار لا تخص الفرض الجديد وحده، بل تخص النسق المعرفي بأسره والذي انتمى إليه الفرض، برفض بوبر هذه النظرية الكلية، ويرى أن اختبار الفرض على حدة وبصورة منفصلة مسألة جوهرية لتقدم العلم،
62
وقياس ما يضاف إليه حقيقة.
ورغم هذا الخلاف الكبير بين بوبر وكوين، إلا إن كوين لا يملك إلا استصواب ما أسماه الطبيعة النافية لنظرية بوبر المنهجية،
63
بمعنى أن الدليل قد يفند الفرض لكن لا يؤيده بحال أو هو يؤيده بمعنى ناف سلبي هو غياب التفنيد،
64
ويرى كوين أن هذا المنحى النافي يجب أن يكون أساس التعامل مع العلم؛ لأنه كفء لهذا، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنه لا يتعلق إلا بالعبارات الكلية، وهي صورة القانون العلمي، فبالطبع العبارات الجزئية (بعض أ هي ب) لا يجدي التعامل معها بالمنهج النافي شيئا، وإذا انتقلنا من هذا الوجه المنطقي إلى الوجه الميثودولوجي، وجدنا أن مهمة التجربة هي تفنيد لفرضيات لا تأييدها؛ لأن الفرضيات لا يمكن إثباتها إنما يمكن فقد عدم تفنيدها، ويعلق عالم الإحصاء الروسي ف. ف. ناليموف (1910م-؟) على هذا بأن بوبر قد أضفى صيغة فلسفية على هذا القول المعروف لكل عالم إحصائي.
65
ويتفق ناليموف مع كوين على أن جميع المشاكل الاستقرائية والتحققية؛ أي الناجمة عن المنطق القائل باستمداد المعرفة من التجربة، تزول مع هذا المبدأ، فتستطيع نظرية بوبر المنهجية أن تحفظ منطق العلم سليما تماما.
ولعل المناقشة السالفة أبرزت أن التعزيز لا يعني أي إثبات أو برهنة أو تأييد أو تحقيق للفرض، هو يعني فقط مبرر قبوله، وليس فحسب بل ومهما كانت الاختبارات قاسية أو مهما صمد أمامها الفرض أي مهما حاز على درجة تعزيز عالية فإن القبول فقط مؤقت؛ لأننا ننتظر يوما يتطور فيه العلم أكثر فنستطيع وضع الفرض أمام اختبارات أقسى قد تكذبه بالفعل، «فالفرضيات تظل دائما عرضة لمزيد من الاختبار، وهنا - كما قال بوبر - يكمن مصدر تقدم العلوم الطبيعية، والواقع أن العلم يعيد النظر دائما في صحة فرضياته؛ لأن إمكان إجراء تجربة حاسمة يتوقف على مستوى تطور النظرية باستمرار كما يتوقف على التجربة.»
66
وقد أثار مفهوم التعزيز جدلا كبيرا، مثلا لأن معيار التكذيب يعني أن النظريات ليست فقط قابلة للتطور والتحسين، ولكن يمكن أيضا أن تكذبها خبرة جديدة، وهذا يمثل احتمالا خطيرا قد يحدث في أية لحظة وتتركز خطورته إذا كانت النظرية معززة جيدا.