تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51

أو اختبارها.

إذن القابلية للتكذيب التي هي القابلية للاختبار، هي أسلوب التعامل مع العلم أي منهجه أو أساس قواعده المنهجية الذي لا مندوحة عنه؛ لذلك كانت معيار العلم القادر على تمييزه. (3) وكون القابلية للتكذيب تعني معيار العلم، وتعني اختباره، يوضح أنها ذات وجهين: وجه صوري ووجه واقعي؛ أي إننا نرومها من أجل مطلبين:

مطلب صوري منطقي يعني تعيين وتمييز الصورة المنطقية للنظرية العلمية.

مطلب واقعي عملي هو أن نختبر النظرية من طريق مواجهة ما نستنبطه منها بالواقع التجريبي، وهذا الاختبار لا بد وأن ينتهي - منطقيا

52 ⋆ - إلى أحد احتمالين لا ثالث لهما: التكذيب وإما التعزيز. (4) إذن ثمة فارق كبير جدا بين القابلية للتكذيب

falsifiability

وبين التكذيب

falsification ، فأولا بوبر لا يروم بمعياره أن نتثبت بالفعل من كذب كل عبارة علمية ونفندها كلا بالطبع فهذه كارثة محققة،

53

وإلا فما هو علمنا اليوم؟ إنه نسق العبارات العلمية القابلة للتكذيب والتي لم يتم تكذيبها بعد، فالمعيار هو القابلية للتكذيب من حيث المبدأ، من حيث الإمكانية، من حيث القوة بمصطلحات أرسطو، أن نتثبت من أن إمكانية التكذيب قائمة في النظرية، لا أن النظرية كاذبة بالفعل.

إن القابلية للتكذيب مجرد معيار يميز الخاصة التجريبية لأنساق العبارات العلمية، أما التكذيب فهو حكم على النسق، تقييم معرفي له، رفض له. (5) وكما سلف فإن اختبار النظرية إما أن يفضي إلى التكذيب أو إلى التعزيز.

التكذيب

Falsification

تحكم على النظرية بالتكذيب إذا لم تكن نتيجة الاختبار في صالحها أي إذا تناقضت التنبؤات المستنبطة منها مع الواقع التجريبي؛ لأن تكذيب التنبؤات يكذب بدوره النظرية، فإذا حدث هذا أصبحت النظرية فاشلة مفندة، فنستبعدها من بناء العلم رغم أنها علمية وستزال، لكننا وضعنا أصبعنا على موطن الكذب، فسنتلافاه في النظرية الجديدة التي ستحل محلها فستكون أكثر اقترابا من الصدق وأغزر في المحتوى المعرفي وفي القوة الشارحة؛ لذلك فكل تكذيب هو ظفر علمي جديد، وليس خسارة كما قد يبدو للنظرة السطحية العابرة.

التكذيب على ذلك تقييم معرفي وحكم خطير، فلا بد إذن من وضع قواعد تحكمه وتحدد تحت أية الظروف تعتبر النظرية مكذبة.

يمكن القول: إن النظرية تكون مكذبة، فقط إذا قبلنا عبارات أساسية تناقضها،

54

أو بدقة أكثر إذا قبلنا عبارات أساسية تناقض العبارات الأساسية المستنبطة من النظرية.

وهذا هو الشرط الأساسي، لكنه ليس كافيا؛ إذ يجب أن نقبل فقط العبارات الأساسية القابلة للإعادة والاسترجاع، العبارات الأساسية الشاردة التي لا يمكن استرجاعها مرة أخرى لن ندعها تفند النظرية العلمية، ويمكن أن نذكر في هذا المقام ما أورده جان فوراستيه عن ملاحظة ألكس كاريل في لورد عام 1903م فهي ملاحظة متعلقة بالظواهر المتمردة التي ترفض أن تنفذ إلى أطر العلم الرسمي، والتي تقابلها منطقيا العبارات الأساسية الشاردة؛ فقد قام كاريل بالانتقال إلى لورد في قطار للحجيج فعرفه أحد زملائه على الشابة ماري بيلي التي يهددها الموت الفوري وطلب إليه معالجتها وفحصها، وبموجب ملاحظات كاريل وملاحظات رفاقه الأطباء المعالجين، كانت ماري مصابة بالتهاب الصفاق السلي، وليس لها في الحياة إلا أيام معدودة (أي نضع النظرية الباثولوجية التي يعملون بها كمقدمة كبرى في الاستنباط وبقية المقدمات هي العبارات الأساسية التي تنقل حالة ماري بيلي، ويكون التنبؤ الذي ينتج عن هذا الاستنباط هو أنها ستموت) إلا أن كاريل لاحظ تحسنا أذهله بسرعة وإن كان يبدو مستحيلا في ذات الوقت (ها هي عبارة أساسية مناقضة للتنبؤ، أي مكذبة للنظرية الباثولوجية) وفيما يلي بعض انعكاسات كاريل الشخصية كما دونها «إنه تحقق المستحيل، لا ريب أني ارتكبت خطأ في التشخيص، لعل الأمر كان مجرد التهاب بصفاق عصبي، مع ذلك لم تكن هناك بوادر الالتهاب العصبي، يلي كل أعراض الالتهاب السلي، لكني أراني متصلا بقضية معجزة، ليكن سأمضي حتى النهاية ...» ويستأنف كاريل قائلا: «أتراها وقائع علمية جديدة، أم وقائع تابعة لدائرة الروحانية وفوق الطبيعة، علي أن أستخلص شيئا.» ونتيجة لذلك قد انقلب كاريل للتصوف،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٥٠