وقد وجه ألفرد آير عدة انتقادات لمفهوم رجحان الصدق، منها أن بوبر قد وضعه كبديل لما حذفه من تقدم النظريات ووصولها إلى الصدق خلال التحقق، وهذه سفسطة وضعية، فالمفهوم هو التعبير المنطقي لتقدم العلم، المتسق تماما مع منطق بوبر الرافض أصلا للوضعية المنطقية.
ومن الناحية الأخرى، رأى آير أن «رجحان الصدق» لا يزودنا بمعيار حقيقي للتقدم نحو الصدق؛ لأننا لا نحكم «برجحان صدق» «ن2» إلا إذا تم تفنيد «ن1» بالفعل، في حين أن ما يعنينا هو تلك الفروض التي لم يتم تفنيدها بالفعل وهذه لا يجدي معها مفهوم «رجحان الصدق»، ولعل هذا نقد وجيه وإن كان يمكن تخفيف حدته بالإشارة إلى الفصل الثالث «درجات القابلية للتكذيب»؛ حيث نجد أساليب التوصل إلى الأفضل، ومن ثم الأقرب من الصدق، من بين مجموعة النظريات المتنافسات، التي لم يتم تفنيد أي منها. (7) لم ينتبه بوبر إلى ارتباط التكذيب بالمحتوى المعرفي، إلا في مرحلة لاحقة متأخرة عن المرحلة التي توصل فيها إلى الفكرة الأساسية للمعيار،
47
ذلك على الرغم من أن ارتباط التكذيب بالمحتوى المعرفي هو الذي خول له إمكانية المعالجة الشاملة لمنطق النظرية العلمية، وهو أحد الأسباب التي جعلته متفوقا على معايير الوضعية، ومستطيعا ما لا تستطيعه، مثل المفاضلة بين النظريات، واستبعاد تحصيلات الحاصل.
48
إننا بالبحث عن التفنيد والنفي، وليس التحقق والإثبات، نستطيع استبعاد عبارة مثل «إما أن تمطر السماء غدا أو لا تمطر.» وهي واجبة الاستبعاد إذ إنها لا تعطينا أي محتوى إخباري عن الواقع؛ فهي تحصيل حاصل من الصورة المنطقية «إما «ق» أو لا «ق»»، لكن حينما يأتي الغد، فأيا كانت معطيات الخبرة الحسية لا بد وأن نتحقق من العبارة، لكن تكذيبها يستحيل منطقيا فنستطيع الحكم بأنها لا علمية.
49
بعبارة أخرى: التكذيب المرتبط بالمحتوى المعرفي يستطيع تمييز العلم الإخباري حقيقة، حتى عن العلوم الصورية ذات تحصيلات الحاصل، المتنكرة في هيئة العبارات الإخبارية، وهي إحدى - بل وأهم - وسائل العلوم الزائفة، وهي واضحة متجلية في الفروض الميتافيزيقية المتطرفة الموغلة في غياهب العقل الخالص، وأيضا في الفكر الثيولوجي. (3) القابلية للتكذيب اختبارا (1) ماهية العلم ليست جماع نتائجه؛ أي نظرياته، كلا بالطبع؛ لأنها متغيرة دوما، ولا يكاد يختلف اثنان على أن ماهية العلم، أي معلمه المميز، الذي يجعله كيانا قائما عبر القرون هو منهجه، وإن اختلفت الآراء على ما هو هذا المنهج، ولكن ماذا عسى أن يكون هذا المنهج، الذي ليس باستقراء البتة، سوى اختبار الفروض التي تأتي بأية طريقة، فماذا عسى أن نفعل بالفروض سوى أن نختبرها، فبغير الاختبار لن نستطيع استبعاد الخطأ، أي إنجاز الخطوة «أ أ» من الصياغة «م1
ح ح
أ أ
م2» التي ترسم مسار العلم.
وإن القابلية للتكذيب
Falsifiability
هي ذاتها القابلية للاختبار
Testability ، المصطلحان مترادفان، فالكشف عن القابلية للتكذيب ليست إلا الكشف عن قابلية الاختبار التجريبي للنظرية التي تدعي السمة العلمية، أي التي تدعي الإخبار عن الواقع، الكشف عن إمكانية مواجهتها بهذا الواقع، فنرى هل تخبر عنه أصلا أم لا، ثم نرى هل تخبر عنه كذبا أم لا. (2) فالاختبار هو القاعدة الأساسية والجوهرية في منهج العلم، وإن شئت قلت: هو القاعدة التجريبية الوحيدة، والتي تتفرع عنها كل القواعد الأخرى لمنهج العلم.
فبعد أن نختبر النظرية - أو الفرض الجديد - من الناحية المنطقية، أي نكشف عن أنها ليست تحصيل حاصل، وأنها لا تناقض نفسها، ولا تناقض النظريات المقبولة التي تسلم هي بها، لا بد من اختبارها تجريبيا عن طريق اختبار الاستنتاجات أي التنبؤات التي نستنبطها منها،
50
وهدف هذا الاختبار هو الكشف عن مدى استطاعة النتائج الجديدة التي تلزم عن النظرية على الصمود أمام متطلبات التطبيق، سواء كانت مبعثها التجريب العلمي البحت، أم التطبيقات التكنولوجية العلمية، ويتم الكشف عن هذا بمنهج التكذيب الاستنباطي، وأيضا لا أثر للاستقراء البتة، فبواسطة بعض العبارات الأخرى المقبولة سلفا يمكن أن نستنبط عبارات أخرى من النظرية هي التنبؤات، خصوصا التنبؤات التي يمكن اختبارها بسهولة، ومن بين جماع العبارات أو التنبؤات المستنبطة من الفرض، نختار تلك التنبؤات التي لا يمكن أن تتوصل إليها النظريات الموجودة سلفا، بل نختار على وجه الخصوص التنبؤات التي تناقضها تلك النظريات، ثم نواجه هذه التنبؤات بالتطبيقات العملية والتجريب؛ أي نحاول تكذيبها