تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يبدو هذا تناقضا، فمثلا جيوفيري وارنوك يرى في هذه النظرية الاحتمالية البوبرية تناقضا ظاهريا واضحا، كيف يرى بوبر أن قبول العبارة العلمية ليس في ذات الهوية مع درجة احتماليتها الاحتمال بمعنى حساب إمكانيات الحدوث، كيف يرى بوبر أن صدفه حدوث قانون عام معين، والتي تعطي عددا كبيرا لاحتمالات كثيرة، هو في الواقع صفر؟ هذه النظرية لم تقنع وارنوك، وهو يقول ببساطة: إن الأمر الواقع ليس هكذا.

50

وفضلا عن أن وارنوك لم يفهم بوبر جيدا في أكثر من موضع، أو في كل موضع، وفضلا أيضا عن أنه قال هذا فقط بسبب خضوعه الدوجماطيقي لسلطان الاستقراء، فإن لنا أن نستأنف عرض نظرية بوبر بما هو كفيل بفك هذا التناقض الظاهري؛ إذ إن الاحتمالية العالية لو كانت هدفا للعلم، لأصبح العالم يفضل الاهتمام بتحصيلات الحاصل بينما هدفه هو تقدم العلم، والإضافة إلى محتواه المعرفي، والفلاسفة الاستقرائيون المعتقدون أن العلم يجب أن يهدف إلى الاحتماليات العالية لا يستطيعون التعامل بعدالة مع حقائق من قبيل أن صياغة القوانين الكلية واختبارها هي أهم هدف لمعظم العلماء، وأن قابلية العلم للاختبار البين ذاتي تعتمد على هذه القوانين، أي من الخطر أو من المستحيل احتذاء حذو كارناب في القول بأنها غير ضرورية.

إن درجة تأييد العبارة العلمية وحسب مفهوم بوبر للتأييد؛ تعتمد على قسوة اختباراتها وصمودها أمام هذه الاختبارات؛ أي تعتمد على درجة قابليتها للاختبار، ودرجة القابلية للاختبار بدورها تتناسب تناسبا طرديا مع غزارة المحتوى المعرفي، أي تناسب عكسي مع درجة احتماليتها، إذن طالما نريد درجة عالية من التأييد، فإننا نريد محتوى معرفيا عاليا، أي احتمالية منخفضة.

إذن هناك استحالة منطقية في إقامة معيار التأييد على أساس إدخاله في ذات الهوية مع الاحتمال، الذين لا يرون هذا ويصرون على البحث عن الاحتمالية العالية - كجيوفري وارنوك - مبدؤهم هو: اختر دائما الفرض الأكثر احتمالية، أي الفرض ذا المحتوى الأقل، وأيضا اختر الفرض ذا أعلى درجة من الخاصة المغرضة

Ad Hoc

أي الذي يضم عناصر مغرضة؛ بغية تحقيق الاحتمالية العالية، ولما كان العلماء لا يحبذون الفروض المغرضة، كان هدف الاحتمالية العالية يفضي إلى قاعدة متناقضة، وسننتهي إلى وضع فرض يلائم كل الحقائق المعروفة، ويتجاوزها قليلا قدر الإمكان،

51

أي ستنتهي إلى عبارة لا علمية على الأصالة ويا له من تمييز للعلم. (5) لقد انتهت الوضعية إلى أن جميع القوانين الكلية لها درجة التحقق صفر، كما أوضح كارناب نفسه في أي عالم لا متناه، وحتى في أي عالم مننتاه عدد الأشياء والأحداث فيه واسع، بما يكفي، فإن درجة تحققه لن تتميز عن الصفر، ونظرا لارتباط التأييد بالتحقق، وارتباطه السابق بالاحتمال، فإن القوانين الكلية غير قابلة للتأييد، أي تأييدها صفر.

حاول كارناب مواجهة هذا بتقديم مفهوم جديد أسماه المعدل

qualified ، معدل حال تأييد القانون «ل»، بحيث نصل في النهاية إلى درجة تحقق قريبة من الواحد بدلا من الصفر، وذلك بقياس درجة تأييد القانون بقياس درجة تأييد حالة من حالاته،

52

ولكن لم يذكر كارناب أن هذا المعيار الجديد يجتاز بصفة فعلية أيا من المعايير أو النظريات التي أقامها في حساب الاحتمال، طالما أنه يعنى بالتأييد الاحتمال، وربما لم يكن يستطيع إثبات هذا؛ لأن حال تأييد القانون «ل» بالدليل «د»، هي ببساطة ليست دالة احتمالية من «ل ، د».

53

إن التأييد بهذه الوجهة الاحتمالية، ليس معيارا غير ملائم فحسب بل وإنه خطير، فإذا كان التأييد - الذي هو الاحتمال - صفرا، فإن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون مدعم جيدا، لن تختلف تقديريا عن صفر، أو عن درجة عقلانية الاعتقاد في قانون مفند أو حتى في جملة متناقضة ذاتيا

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٢٨