تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

54 (لنلاحظ أنه في فلسفة بوبر درجة عقلانية الاعتقاد في قانون، تعتمد على درجة تأييده، حسب مفهوم بوبر للتأييد).

وإذا أردنا أن نتلافى كل هذا، فلا بد من الاعتراف بأن الوضعية أخذت بتعريف خاطئ للتأييد وأخطأت أكثر حينما جعلته بمعنى الاحتمال أن كارناب لم يحاول أن يوضح أن حالات التأييد التي نتوصل إليها تكون متسقة دائما مع مسار الكشف العلمي، فمثلا لم يحاول توضيح أن كل قانون تم تفنيده له حالات تأييد أقل من حالات تأييد قانون صمد للاختبار.

55

أما فكرة بوبر في أن احتمالية القوانين الكلية صفر، فكونها مناقضة للحس المشترك أو للمألوف، ليس مبررا كافيا لتركها، والوقوع في كل هذا الالتواء في مفهوم الوضعية للتأييد، لم يسعف التواءه وتعثره الشديد كمعيار للعلم.

كل هذا جعلهم هم أنفسهم يتركونه في محاولة وضع معيار جديد هو لغة العلم. (4) نقد لغة العلم (1) أما عن مشروع كارناب لبناء لغة للعلم، فهو في رأي بوبر ليس إلا محاولة أكثر سفسطائية، لكن هجران كارناب للتحقيق وبدائله، وللنظرية التطبيعية في الخلو من المعنى، في سبيل هذه اللغة، تطور على درجة كبيرة من الأهمية ومرغوب،

56

ويبدو أنه مرغوب في نظر بوبر؛ لأنه يمكن من النقد الحاسم، ولأن دلالته الحقيقية هي أنه يحطم مبدأ خلو الميتافيزيقا من المعنى. (2) لكن كان لهذا المشروع مرحلة أولى، هي اللغة الفيزيائية، خلاصة نقد بوبر لها هو كالآتي:

إنها تجعل أية عبارة حول كائنات لا فيزيائية بغير معنى، على هذا فالعبارات التي تصف إحساسات وعواطف لا تدخل في نطاق هذه اللغة فتصبح عبارات جميع الخبرات الذاتية في نفس المستوى المنطقي مع العبارات الميتافيزيقية الثيولوجية، وهذا ليس في صالح اتجاه الوضعية المعادي للثيولوجيا وللميتافيزيقا؛ لأن الميتافيزيقيين والثيولوجيين يسعدهم جدا اعتبار عبارة مثل «الله موجود، والروح موجودة» هي على وجه الدقة في نفس المستوى المنطقي مع عبارة مثل «لدي خبرات واعية» أو «توجد مشاعر مثل الحب والكراهية، متميزة عن الحركات الجسمانية والفيزيائية التي كثيرا - إن لم تكن دائما - ما تصاحبها.»

57

بعبارة أخرى: من المسلم به أن هناك مستويين من الكائنات؛ مستوى فيزيائي ومستوى لافيزيائي، اللغة الفيزيائية تهدف إلى حذف المستوى اللافيزيائي، لكن أحد أوجه هذا المستوى هي العواطف والمشاعر والانفعالات لا سبيل إلى نكرانها، وبالتالي لا سبيل إلى حذف هذا المستوى، فلنضع فيه جميع الكائنات الميتافيزيقية والثيولوجية.

أما عن محاولة رد هذا النقد بالفلسفة السلوكية، وقابلية الرد إليها فهو في رأي بوبر ليس إلا ميتافيزيقيات مادية وقعت في مصائد لغوية،

58

ويمكن توضيح هذا على النحو التالي:

أولا: المدرسة السلوكية في علم النفس، هي مدرسة تنكر أي احتياج للشعور أو اللاشعور، وتفسر السلوك كله في ضوء الأفعال المنعكسة الشرطية؛

59

لهذا فهي ترى أن البحث النفسي والاجتماعي، يعتمد في وصفه وتفسيره على الوقائع الملاحظة؛ وبالتالي على السلوك العادي للموضوعات التي يقوم بدراستها وهم يؤكدون على أن منهجهم يقوم على الخبرة نفسها،

60

بل وإن بعض السلوكيين المتطرفين المعبرين عن السلوكية المختزلة

Reductive Behaviourism

رفضوا وجود ظواهر عقلية على الإطلاق، مبررين هذا بإنكار وجود أي موضوع خاص بعلم النفس وحده، لا يوجد ما يسمى بالوعي أو الشعور، كل ما هنالك سلوك وميول للاستجابة على نحو معين تجاه مثيرات معينة، أما الاختلاف بين ما هو عقلي وما هو فيزيقي فلأن العمليات أو الحالات العقلية أنواع خاصة من العمليات أو الحالات الفيزيقية، وهم يركزون على تطوير النظريات التي تتضمن تعبيرات أو عمليات فيزيائية أو كيميائية أو فسيولوجية ليثبتوا اتجاههم.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٢٩