تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن التحليل إذا طرح أصلا، فلا يكون فقط للغة، ولكن تحليلا لموقف المشكلة العلمية وللمناقشات العملية، وفضلا عن هذا، فالفلسفة ليس لها منهج محدد خاص بها؛

40

لأنه ليس هناك شيء اسمه ماهية الفلسفة يمكن أن نكثفه في تعريف لها،

41 ⋆

تعريف كلمة «الفلسفة» يمكن فقط أن يتخذ سمة الاصطلاح والاتفاق؛

42

لذلك ليس للفلسفة منهج محدد خاص، لقد رأينا أن مسألة المنهج غير ذات أهمية في التوصل إلى نظريات العلم، فلا بد وأن تكون من باب أولى غير ذات أهمية بالنسبة للفلسفة، وهي المتميزة عن العلم بأنها مبحث لا تحده حدود ولا تقيده قيود، كل المناهج مشروعة، طالما ستفضي إلى نتائج يمكن مناقشتها مناقشة عقلية،

43

أي يمكن نقدها،

44 ⋆

فالذي يعنينا في الفلسفة ليس المنهج ولا الأساليب الفنية، تحليلية كانت أم تركيبية، إنما الحساسية للمشاكل، واستنفاد كل الجهد من أجلها، إن الفلسفة هي - كما قال الإغريق - وليدة الدهشة،

45

وليس المنهج التكنيكي المحدد، حتى وإذا اضطررنا جدلا إلى رسم صورة عامة للمنهج الفلسفي - كما اضطررنا جدلا إلى رسم صورة عامة لمنهج العلم - لكان هذا المنهج هو الذي يدرس موقف المشكلة الفلسفية، كل ما يقال عنها الآن، وكل ما قد قيل عنها فيما سبق

46 (أي «م1

ح ح

أ أ

م2») وليس تحليلا على وجه الإطلاق. (2) ولنعترف جدلا بالحاجة إلى تحليل منطقي بحت للنظريات، تحليل لا يأخذ في اعتباره كيف تتغير النظرية وتتطور، فإن هذا التحليل لن يجدي في تنقيح أوجه معينة من العلوم التجريبية، وهي الأوجه التي يوليها بوبر حق التقدير،

47

بعبارة أوضح: منهج التحليل لن يجدي في نمو المعرفة.

فبوبر يروم التعامل الديناميكي مع النظرية العلمية، أي البحث في صيرورتها: كيفية تقدمها وعوامل هذا التقدم ودرجته، أما التحليل فهو يتعامل مع النظرية بصفة إستاتيكية: يحلل منطوقا معينا للنظرية، أو تعريف اصطلاح معين فيها، يحلل عبارة معينة من نسق، من المفترض أنه محدد، ولما كان شغل بوبر الشاغل هو «نمو المعرفة خصوصا العلمية» بدا واضحا لماذا يولي ظهره للاتجاه التحليلي بأسره؛ لأنه لن يجدي في نمو المعرفة العلمية؛ إذ يحلل ما هو كائن ولا يضيف جديدا. (3) فضلا عن أن يجدي في نمو الفلسفية؛ فالتحليل بهذا التعامل الإستاتيكي يجني على الفلسفة أكثر؛ فقد كان هدف الإبستمولوجية دائما - سواء مثالية أو تجريبية - هو المساهمة في تقدم المعرفة ونمو العلم، أما الفلسفة فيحدوها الأمل دائما في أن تعرف أكثر عن المعرفة العلمية (الاستثناء الوحيد هو باركلي) حتى جاء الوضعيون بتحليلهم، فأفقدوها هذه النغمة الحلوة المتفائلة التي ألهمتها يوما بالتقليد العقلاني؛ فهم يقصرون مهمة تقدم العلم على العلماء وحدهم، ليس فحسب بل وأيضا يعرفون الفلسفة بنفس الذي سوف تصبح عليه، فطالما ستنحصر في تحليل معاني اللغة ودراسة أنساقها فإنها ستصبح بحكم التعريف غير قادرة على أدنى مساهمة في معرفتنا بالعالم،

48

وستظل دائما حيث هي، حيث اللغة وأنساقها، إنهم يجعلون الفلسفة خواء وفراغا؛ إذ يجردونها من مشكلاتها، أو يقصمون جذور هذه المشكلات، ويواظبون على ممارسة منهج مستحدث كموضة،

49

الفلسفة بالنسبة لهم تطبيقات وممارسات، أكثر منها بحث وطرح أفكار، إنهم يحترفون الفلسفة، ويعتبرونها مهنة فنية يتخصصون فيها، والفلسفة ليست احترافا ولا تخصصا أبدا، إنها انشغال ومعاناة نتيجة الدهشة، بوبر داعية للاتخصص في العلم والفلسفة وفي شتى المباحثات، ويقول: إن العظام من العلماء أمثال كبلر وجاليليو ونيوتن وآينشتين وبور، إنهم الرجال الذين يكرسون حياتهم - بتواضع - من أجل البحث عن الحقيقة، من أجل نمو معرفتنا، الرجال الذين تعني حياتهم: الأفكار الجريئة، ويمكن أن نضم إليهم مساعديهم الأقل ألمعية، غير أنه لا يضم البتة هؤلاء الذين لا يعني العلم بالنسبة لهم أكثر من احتراف أو مهنة فنية، هؤلاء الذين لا يتأثرون بعمق بالمشاكل العظيمة وبالتبسيطات الشديدة للحلول الجريئة،

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١١١