تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

أي يتمادى بوبر في إنكار أية أهمية للبحوث السيمانطيقية، حتى إنه يماثل دور الكلمات بدور الحروف، وهو يسير في هذه المماثلة إلى أبعد حد، «وقد يقال: إن الكلمات في حد ذاتها لها معان، بينما الحروف ليس لها أي معنى.» لكن بوبر يرد على هذا بأننا يجب أن نعرف الحروف، أي نعرف معناها من زاوية ما، كي نتعرف على الكلمات ونميزها، تماما كما يجب أن نتعرف على الكلمات كي نتعرف على العبارات،

33

وتماما كما أن تغيير كلمة قد يسبب تغييرا جوهريا في معنى العبارة، فإن تغيير حرف قد يسبب تغييرا جوهريا في معنى الكلمة،

34

إن دور الكلمات هو نفسه دور الحروف، الدور التكنيكي البراجماتيكي، وكلاهما مجرد وسائل لتحقيق غايات مختلفة.

35 ،

36 ⋆

الخلاصة أن بوبر يقف من اللغة وألفاظها الموقف الوظيفي البحت، هي أدوات لتحقيق وظائف معينة، وليس فيها أية أبعاد أكثر من هذا، تنتظر الوضعيين ليسبروا غورها بتحليلاتهم المنطقية، وهو يبرهن على هذا بأدلة واضحة:

يمكن لنظريتين صيغتا في اصطلاحات وكلها مختلفة تماما - بحيث يمكن ترجمة الواحدة منهما مباشرة للكلمة المقابلة لها في النظرية الأخرى - أن تكونا متكافئتين منطقيا، بحيث يمكن القول: إن النظريتين مجرد صياغتين مختلفتين لنفس النظرية الواحدة.

الترجمة الجيدة لا تكون حرفية أبدا، لا تكون بوضع لفظة مقابل الأخرى، بل إنها تأويل للنص الأصلي، وإن الترجمة الجيدة لنص قيم، يجب أن تكون إعادة بناء نظرية.

37

إن التعامل دائما مع المحتوى المعرفي، ولا ينبغي الالتفات إلى المسائل اللغوية. (8) وبعد أن ينقد بوبر أسس الفلسفة اللغوية، يلزم منطقيا عن هذا أن ينقد مواقفهم الفرعية أي معالجتهم للمشاكل الفلسفية الكبرى على الأساس اللغوي، فيرفض حلهم لمشكلة العقل والمادة بأن يجعلوها - كما رأينا كارناب يفعل - مشكلة لوجود لغة سيكولوجية ولغة فيزيائية بدلا من وجود كائنين هما العقل والمادة،

38

وبغير استطراد إلى مشاكل فرعية لا تعنينا في هذا السياق، تكفي الإشارة إلى أن ما ذكره الفصل الأول في منحاهم اللغوي، من أسلوبهم في صياغة المشاكل الفلسفية في حدود لغوية، هو بداية أسلوب مرفوض من بوبر، فإذا كان يرفض حتى صياغة المشاكل اللغوية «كالكليات» في حدود لغوية، فكيف لا يرفض صياغة المشاكل الأنطولوجية والإبستمولوجية في حدود لغوية. (9) هذا هو الخلاف الأساسي بين بوبر والوضعية - أي بينه وبين الاتجاه التحليلي المعاصر - إصراره على أن المشاكل اللغوية لم تكن أبدا مشكلة فلسفية، فضلا عن أن تكون المشكلة الفلسفية الوحيدة، فالمشكلة الفلسفية الوحيدة، هي عينها المشكلة العلمية الوحيدة؛ المشكلة الكوزمولوجية، أي مشكلة فهم العالم، بما في ذلك نحن أنفسنا ومعرفتنا كجزء من العالم،

39

العلم والفلسفة معا يساهمان في حل هذه المشكلة، وإنهما ليفقدان كل روعتهما وجاذبيتهما، إذ ما تخليا عنها، بالطبع فإن فهم وظيفة اللغة تمثل جزءا من الحل، أو يساعدنا على الحل، أما أن نحيل المشكلة بأسرها إلى متاهات لغوية، فإن ذلك مرفوض مرفوض مرفوض. (10) وإذا كان الفصل الأول قد أظهر أن الوضعية - بوصفها تحليلية - هي فلسفة معرفية، فإن بوبر يواجههم قائلا: إنهم ليسوا إبستمولوجيين جادين؛ لأن المشكلة الإبستمولوجية الأساسية كانت، وستزال دائما «نمو المعرفة»، وأفضل صورة لدراستها هي نمو المعرفة العلمية، فلا يمكن إطلاقا إحلال دراسة اللغة وأنساقها، الاصطناعية الرمزية، محل دراسة نمو المعرفة وتطور محتواها.

لقد أخطأت الوضعية، حين حددت الفلسفة بمشكلة معينة هي المشكلة اللغوية. (2) نقده لمنحاهم التحليلي (1) وأخطأت أكثر حين حددت منهجها بمنهج واحد لا سواه؛ هو التحليل المنطقي، إن منحاهم التحليلي - والذي أوضح الفصل الأول أن ذلك المنحى اللغوي تابعا له - ليس أقل مجانية للصواب من تابعه اللغوي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١١٠