تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50

إذا كان بوبر يقول هذا عن العلم، فما بالنا بالفلسفة التي تهدف إلى كلية التجربة الإنسانية بجميع جزئياتها، هل يمكن أن تكون مجرد احتراف الوضعيين لتحليل منطق العلم؟

وبخلاف الوضعيين، فهؤلاء التحليليون الذين يفخرون بتخصصهم في دراسة اللغة العادية، لا يعتقد بوبر أن معرفتهم بالكوزمولوجيا كافية، بحيث تتيح لهم الحكم ما إذا كانت الفلسفة يمكنها المساهمة فيه أم لا،

51

بوبر محق في هذا فعلا؛ فمعروف عن فلاسفة اللغة الجارية أن معرفتهم ضحلة بالعلم والرياضة؛ لأن الفلسفة بالنسبة لهم أيضا تخصص وليست بحثا في المعرفة بمعناها الرحب.

52 (4) أما إذا كان هذا التحليل من أجل هدفه المعروف، وهو تحقيق الوضوح والدقة، فإن الوضوح في حد ذاته له قيمته العقلية الكبرى، إلا أن الدقة ليست هكذا، إنها طبعا مرغوبة، دقة التنبؤ مثلا لها قيمة كبرى، لكن البحث عن الدقة يكون فقط ذا طابع براجماتي، فلا نبحث عن الدقة، فقط من أجل الدقة، ليست هناك أية نقطة تستحق أن نجعلها دقيقة أكثر مما يتطلب موقف المشكلة

53

المطروحة للبحث، فإذا تطلب مثلا التمييز بين نظريتين متنافستين، فلا يمكن هذا إلا بزيادة دقة مقاييسنا،

54

فنتمكن من تعيين الفارق الدقيق بين تنبؤ كل منهما، فنتمكن من تعيين النظرية الأقرب إلى الصواب.

ولنلاحظ أن الدقة على أية حال لا تطلب أبدا في المصطلحات العلمية أو الألفاظ اللغوية، فلو حاولنا وضع مطلب الدقة اللغوية في الجدول الآنف؛ لكان مكانها الجانب الأيسر؛ لأن دقة العبارة سوف تعتمد كلية على دقة الألفاظ المستعملة، ومثيلتها في الجانب الأيمن سيكون اليقين، لكن بوبر لم يشأ طرح فكرة الدقة في الجدول، حتى لا يطرح مقابلتها اليقين، واليقين مثل الدقة، «أوهام وأشباح ينبغي أن نهجر مطلبها.»

55

بل وإن الدقة مضرة، وستؤدي إلى ضياع الوضوح وإهدار الوقت والجهد في تمهيدات عادة ما تصبح غير ذات فائدة؛ لأنها طرق جانبية

56

تصرف عن التقدم الحقيقي للموضوع المطروح للبحث.

لقد كرس الوضعيون حياتهم لهذه الدقة؛ ظنا منهم أن الخصوبة ستنتج عنها كمنتج ثانوي لها، غير أن الخصوبة ليست منتجة للدقة، بل نتيجة لطرح مشاكل جديدة، لم يرها أحد من قبل، ولإيجاد حلول جديدة، لم يجدها أحد من قبل، هذا بالإضافة إلى أن الدقة لن تحول أيضا دون سوء الفهم، فحيثما كان الحديث لا بد وأن يوجد من يسيء فهمه،

57

وشبيه بهذا القول من بوبر قول المفكر الأمريكي إمرسون: «ثق أنه سوف يساء فهمك، وهل من شر الأمور أن يساء فهمك؟ لقد أسيء فهم فيثاغورث وكذلك «سقراط» «والمسيح» و«لوثر» و«كوبرنيقوس» و«جاليليو» و«نيوتن»، وكل روح طاهرة عاقلة، ولكي تكون عظيما لا بد وأن يساء فهمك.»

58 (ومزيدا من إرضاء بوبر: لنلاحظ أن إمرسون اختار أمثلة من شوامخ العلم والفلسفة) بل وأن وايتهد هو الآخر يرى ما يؤكد رأي بوبر من أن التحليل والتصنيف يبتر الحقيقة ولا يزيدها إلا غموضا،

59

على العموم وايتهد ينتمي للتيار المعادي للتحليل، والخلاصة أن الوضعيين لا بد وأن يخيب سعيهم في البحث عن الوضوح والدقة.

وإذا كانوا يرومون بهذه الدقة خدمة العلم، فإن الدقة - دقة المصطلحات والتعريفات - لم تكن أبدا مطلب العلماء، أي إن العلماء سيعزفون عن جهودهم، بعد أن عزف عنها الفلاسفة؛ لأنهم - أي العلماء - يستعملون مصطلحات مثل «الكثبان الرملية» أو «الرياح»، وهي بلا شك غامضة جدا، مثلا: لم يحاول عالم أن يحدد كم بوصة ينبغي وأن يكون الحد الأقصى لارتفاع تل صغير من الرمال؛ كي نعتبره كثبا، أو ما هو الحد الأدنى لسرعة تحرك الهواء كي نعتبره رياحا، لكن رغم هذا، فإن أمثال هذه المصطلحات تكفي حدا لتحقيق كافة الأغراض الجيولوجية والعلمية بكفاءة، وحتى إذا حدث اختلاف يمكن للعالم أن يقول مثلا: الكثب ارتفاعه بين أربع وبين ثلاثة قدما، أو أن سرعة الرياح تتراوح بين عشرين وبين أربعين ميلا في الساعة، ولكن ليس من الضروري التعيين الدقيق، وهذا هو الحال في جميع العلوم وفي أكثرها تقدما - أي الفيزياء

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١١٢