Physicalism ، وهي تقوم على أن اللغة الفيزيائية هي لغة عمومية
universal
للعلم، وهذا يعني أن أية لغة لأي مجال فرعي في العلم يمكن أن تترجم - بصورة مكافئة تماما لصورتها الأصلية - إلى لغة العلم هذه، وبناء على هذا نستنتج أن العلم نسق واحدي تكاملي مركزي، حيث لا نجد داخله مجالات لمواضيع ذات تباين جوهري، وتبعا لهذا لا نجد هوة بين العلوم الطبيعية والعلوم السلوكية مثلا.
21
من هنا قامت الدعوى النيوراثية الكارنابية، على أن هناك لغة واحدة للعلم الموحد
unitied science ، فلقد تأثرا بالتقدم الرهيب لعلم الطبيعة، فأراده علم العلوم والعلم الواحد الذي لا علم سواه، وكل العلوم الأخرى مجرد أفرع للفيزياء وأجزاء فيها؛ ومن ثم تكون لغة الفيزياء هي اللغة العلمية الواحدة، وهذه اللغة الفيزيائية تتمتع بخاصية تجعلها كلية
Universal Language
يمكن أن يقال فيها كل شيء له معنى، وهي اللغة التي تتحدث عن الأشياء الفيزيائية وحركاتها في الزمان والمكان، وكل شيء يمكن التعبير عنه أو ترجمته في حدود هذه اللغة، خصوصا علم النفس على قدر ما هو علم أما مشكلة أسسه فهي:
هل يمكن رد مفاهيم علم النفس إلى مفاهيم الفيزياء بمعناها الضيق؟
هل يمكن رد قوانين علم النفس إلى قوانين الفيزياء بمعناها الضيق؟
وللرد بالإيجاب ليصبح علم النفس فقط علم السلوكيات، وتصبح كل عبارة ذات معنى سواء حول الحيوان أو الإنسان قابلة للترجمة إلى عبارة حول الحركات الزمانية المكانية للأجسام الفيزياء؛ أي للغة الفيزياء، أو لغة العلم الموحد.
تلك هي اللغة التي حاول كارناب أن يبني لها بناء نسقيا منطقيا، ويضع قواعد الصياغة فيها، وقواعد التحويل أو الاستنباط منها، وكتب يقول: «إذا كنا سنتخذ لغة الفيزياء كلغة للعلم؛ بسبب خاصيتها كلغة كلية، فإن جميع العلوم ستتحول إلى الفيزياء، وستستبعد الميتافيزيقا على أنها لغو، وتصبح العلوم المختلفة أجزاء من العلم الموحد.»
22
أما عن أصول هذه اللغة الصورية للعلم الواحد والتي لا ترتد إلى أصول لغوية بعدها، فقد اقتنع كارناب بدعوى نيوراث إلى أن الجمل تقارن فقط بالجمل وليس بالخبرة، وأيضا أننا نتحقق من جمل هذه اللغة - أي نختبرها - ليس بواسطة الخبرات الحسية، كما يدعي معيار التحقق أو معيار التأييد، وإنما بواسطة ما أسمياه جمل البروتوكول
Protocol Sentence
والتي يعطي لها كارناب في كتابه «وحدة العلم» التعريف الآتي: جمل البروتوكول هي الجمل التي تشير إلى - أو تصف مباشرة - خبرات متاحة أو ظواهر، أو هي عبارات لا تحتاج إلى تبرير، وتخدمنا كأساس لبقية جمل العلم،
23
إنها المحك الذي نبدأ منه قياس أو اختبار بقية الجمل، بغير أن تكون هي نفسها بحاجة إلى قياس أو اختبار، وهي لهذا جمل أساسية غير قابلة للتعديل.
غير أن هذا أثار خلافا كبيرا بين كارناب ونيوراث - صاحب الفكرة - فنيوراث لا يقبل أي شيء غير قابل للتعديل، وكارناب بدعواه هذه يكون - من وجهة نظر نيوراث - داعيا لدعوة ميتافيزيقية، تبحث عن المطلق الثابت؛ مما أدى إلى تعاظم الخلاف أن كارناب يرى أن جمل البرتوكول لا تقع داخل حدود لغة العلم، على الرغم من أن هناك قواعد خاصة لترجمتها إلى لغة العلم، أما نيوراث فيصر على أنها تقع داخل لغة العلم وبصورة ثابتة؛ لذلك فإن مشكلة ترجمتها لا تثار بالمرة.
24
وأيا كانت أوجه الخلاف بين كارناب ونيوراث، فإن قضايا البرتوكول هي نفسها تثير مشكلة كبيرة حول ما إذا كانت قابلة لأن تصاغ أصلا في لغة الفيزياء، فهي تسجل خبرات خاصة، فكيف تكون أساسا لجمل العلوم، وهي عامة مشتركة بين الذوات، ولقد استلهم كارناب نزعته الفيزيائية التي أخذها عن نيوراث، كي يحل هذه المشكلة، فيقول: إن كل حالة من جمل البروتوكول يمكن أن تترجم إلى عبارة عن حالة لجسمي،