15
وإن ظلت شخصية الوضعيين متميزة؛ إذ إن صورة المعيار لديهم هي: تكون الجملة قابلة للاختبار إذا كنا نعرف الإجراءات المعينة «مثلا تنفيذ تجارب معينة» التي من شأنها أن تؤيد الجملة، أو تؤيد نفيها لدرجة ما، بينما تكون الجملة قابلة للتأييد إذا أمكن منطقيا لأي نوع من الأدلة التجريبية أن يؤيدها، حتى ولو كنا لا نعلم المسار المعين لإجراءات الحصول على هذه الأدلة،
16
واضح أن القابلية للاختبار مجرد صورة قوية فعلية من قابلية التأييد المضعفة، والفارق بينهما يطابق الفارق بين التحقق بالمعنى القوي - أو المباشر - والتحقق بالمعنى الضعيف - أو غير المباشر - مما يعني أن القابلية للتأييد هي الأوسع في ما صدقاتها وفي الأصل، والقابلية للاختبار مجرد تابع لها، يحدد فئة معينة من ما صدقاتها، هي فئة القابلية للتأييد الفعلية، ورغم هذا فقد ميزت الوضعية في أحد أطوارها بين أربعة معايير: القابلية التامية للاختبار - درجة معينة من القابلية للاختبار - القابلية التامية للتأييد - درجة معينة من القابلية للتأييد، كلها تتعاون معا في تمييز قضايا العلم واستبعاد الميتافيزيقا.
وكان كارل همبل
Karl Hempel
أكثرهم استجابة لبوبر، حتى اقترب منه متخذا طريقا مخالفا للوضعيين؛ إذ أعلن رفضه للتحقق على أساس رفض الاستقراء، وأعلن أنه لا يمكن اعتبار النظرية علمية ما لم تكن قابلة للاختبار التجريبي والتأييد ببينات تجريبية، أي ما لم نتمكن من استخلاص قضايا لزومية اختبارية معينة منها، لها الصورة «إذا تحققت شروط الاختبار «ح» يحدث الناتج «ه».»
17
وتكفينا الإمكانية من حيث المبدأ، فهي غير قائمة في القضايا اللاعلمية اللاتجريبية.
وحينما تكون النظرية علمية، فلا يمكن بالطبع أن يفضي الاختبار إلى تأييد حاسم، بل فقط إلى بينة مؤيدة بدرجة أكبر أو أصغر، ومن هنا يمكن اعتبار معيار القابلية للتأييد والاختبار، هو أيضا للاختيار بين الفروض العلمية، فنختار الفرض الأكثر قابلية للتأييد على أساس المحكات الآتية: كمية ونوعية ودقة البيئة المؤيدة - التأييد بالقضايا اللزومية الاختبارية الجديدة - التأييد النظري.
وبالطبع يجب أن نأخذ في الاعتبار العوامل الأخرى، مثل درجة البساطة ودرجة الاحتمالية،
18
ويأتي كارناب خصوصا ليطابق بين التأييد والاحتمالية، أو درجة التأييد ودرجة الاحتمالية.
والآن فبصرف النظر عن أن معيار التكذيب يحل محل التأييد بصورة أكفأ كثيرا كثيرا، فإن أبسط ما تقوله لهمبل هو أن شذى الاستقراء ما زال يفوح طالما نبحث عن البينات المؤيدة إيجابا، وأن التأييد لا يعلو أن يكون صورة ضعيفة من التحقق.
لكن الذي يعلي من شأن نظرية همبل، هو أنه طرح خرافة المعنى جانبا؛ استجابة لدعوى بوبر، رغم أن فكرة المعنى من أسس الوضعية المميزة، وأوضح أن التأييد فقط لتمييز العلم والتعامل مع الفروض العلمية.
ليسوا جميعا بتبصر همبل، فقد تمسك آير مثلا بالتأييد كمعيار للمعنى، على أساس من مبدأ الوضعية في المطابقة بين العلم والمعنى واللاعلم واللامعنى، ومن هذا المنظور لكي تكون العبارة ذات معنى يجب أن تتصل بفئة من عبارات الملاحظة، تعطي فقط درجة من التأييد البرهاني للعبارة الأصلية، وليس تحقيقا قاطعا، فأية عبارة لها معنى معرفي، ولتكن العبارة «س»، يجب أن يكون لها فئة من عبارات الملاحظة الأساسية وهي «م1 م2
م ن»، فتكون «س» مؤدية إلى «م1 م2
م ن» وتكون «م1 م2
م ن» تؤيد أو تعطي درجة أكبر من الاحتمالية للعبارة «س».
إلا أن آير عاد ليقول: إن هذا المعيار لن يميز العلم؛ إذ إنه قد يسمح لأية عبارة خالية من المعنى أن تجتازه، فإذا كانت «ن» عبارة خالية من المعنى - أي لا علم - و«م» عبارة ملاحظة أساسية، فيمكن أن نستنبط «م» من العبارة «ن» مرتبطة مع «م» كمقدمة إضافية، على الصورة المنطقية «إذا ما كانت «ن» لكانت «م».» ومنها يمكن استنباط «م» من «ن»، رغم أننا لا نستطيع استنباط «م» من «ن» بمفردها،