ولما كان التحقق معيارا للمعنى فهو يشمل أيضا التحقق من المفاهيم والكلمات، وطبعا العبارة لن تقبل التحقق إلا إذا كانت كل المفاهيم الواردة فيها قابلة للتحقق.
غير أن المعيار أثار الكثير من النقاش، فهو ذاته لا قضية تحليلية ولا قضية تركيبية تقبل التحقق، فكان أن عرض الوضعيون قبوله على أساس براجماتي، ثم إن القضية قد لا تقبل التحقق لأسباب منطقية، أو لأسباب فنية قاصرة على الوقت الراهن، أو لأسباب فيزيائية ... إلخ، فأي من هذه الوجوه يحمل معه الخلو من المعنى، لحل هذا ميزوا بين التحقق المباشر للقضايا التي تدور حول المدركات الحالية، والتحقق غير المباشر لبقية القضايا ذات المعنى، وقريب من هذا ما فعله آير حين ميز بين: التحقق بالمعنى القوي، والتحقق بالمعنى الضعيف.
وهو يعبر عن الفرق بينهما بأن القضية يمكن التحقق منها بالمعنى القوي، إذا وفقط إذا ما كان ممكنا أن تؤسس بصفة حاسمة وقاطعة على الخبرة،
12
وهي قابلة للتحقق بالمعنى الضعيف إذا كان للخبرة أن تجعلها ممكنة، وواضح أن هذا الحل لا يعني أكثر من التمييز بين القابلية للتحقق كأمر واقع فعلا، وبينها كمجرد إمكانية وليست استحالة، ويوضح آير أن التحقق بالمعنى الضعيف هو فقط المطلوب.
غير أن هناك مشكلة معينة بدت على درجة قصوى من الخطورة، فلقد أحس الوضعيون أنفسهم أن معيار التحقق لن يحطم الميتافيزيقا فقط، بل وسوف يحطم العلم أيضا؛ ذلك أن قوانين العلم بطبيعة الحال ليست قابلة للتحقيق، إذ ليست هناك أية مجموعة من الخبرات يكون اكتسابها مكافئا لصدق قانون علمي.
وقد تنبه فتجنشتين إلى هذا مقدما في رسالته، فأكد - إبان بحثه للمنزلة المنطقية للقضايا العلمية - على أن كثيرا من العبارات العامة في العلم لا تحتاج إلى معاملتها على أنها دالات صدق للقضايا الأولية
Elementry Proposition ؛ لأنها ليست تجريبية؛ وبالتالي ليست قضايا بالمعنى الدقيق، هي بالأصح توصيات بمنهج لتمثيل فئة معينة من الظواهر
Phenomena .
13
وكان حل شليك قريبا من حل صديقه وأستاذه فتجنشتين؛ فقد ادعى أن القوانين العلمية ليست عبارات، بل هي قواعد ورخص للاستدلال، غير أن كارناب ونيوراث اعترضا على هذا مستندين إلى أن القاعدة - طبعا - تستحيل محاولة تكذيبها، أما القوانين العلمية فإننا نحاول تكذيبها، فهي إذن عبارات إخبارية وليس مجرد قواعد، وواضح أن هذا مجرد استجابة من كارناب لتأثيرات بوبر، وأثر بوبر يمتد لدرجة أن الوضعيين أنفسهم اعترفوا بأنه حتى القضايا الجزئية والمفاهيم لا يمكن أن نتحقق منها تحققا كاملا.
لكن الخطورة الحاسمة كانت حقا على القوانين العلمية التي قام المعيار أصلا لتمييزها، وكان قبول البعض اعتبارها ليست بقضايا ورفض البعض الآخر، فيصلا حاسما في تاريخ الوضعية،
14
قسمها على ذاتها.
أما القصور لا نقاش فيه، فهو أن التحقق أو إمكانية التحقق - ولا فارق بينهما - تميز العلم، ولكن لا تستطيع إطلاقا التمييز بين العلم، فلا يمكن مثلا للعالم إبان بحثه اختيار فرض علمي بين مجموعة فروض متنافسة؛ لأنه أكثر أو أقل قابلية للتحقق، بعبارة أخرى: لم نسمع من الوضعيين أي شيء عن درجات القابلية للتحقق، فهو لا يجدي العالم في شيء، فكيف بالله يكون أساسا لفلسفة هي أولا وأخيرا علمية.
تلك بصفة عامة المشاكل التي تبدت في وجه معيار التحقق، مما جعله يتخذ تدريجيا صورا أخرى، باعتقاد أنها مستطيعة التغلب على هذه الصعوبات. (5) أولى هذه الصور: القابلية للتأييد
Confirmability
التي تعني أن القضية ذات معنى، فقط إذا أمكن تأييدها، أي اشتقاق قضايا صادقة منها.
وقد ارتبط معيار القابلية للتأييد بالقابلية للاختبار
Testability
وقد أوضح عضو الدائرة فيكتور كرافت أن نقد بوبر لمعيار التحقق أجبر الدائرة على تعديله والاتجاه به نحو القابلية للاختبار، والتي هي أحد أوجه معيار التكذيب،