تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن كيف ننقح ميادين النشاط العقلي حتى لا يصبح فيها إلا العلم؟ لا بد من معيار يمثل الفيصل الحاسم بينه وبين اللاعلم، عدنا إذن إلى المشكلة التي يعالجها هذا البحث مشكلة تمييز المعرفة العلمية. (2) ونحن الآن بإزاء محاولة الوضعية المتمثلة في معيار التحقق الذي اصطنعوه لهذا الغرض، وهذا المعيار هو الأساس الذي يقوم عليه المذهب، بل ويقوم من أجله، حتى إذا قيل في تعريف الوضعية: إنها المذهب الذي ينادي بمعيار التحقق لما جانب هذا الصواب إذ إن رسل مثلا الذي يتفق معهم في الكثير - أو بالأحرى يتفقون هم معه - فقد عرفناه أحد الرواد الذين مهدوا لهم الطريق، والذين تعاطفوا مع المذهب إلى حد كبير يعد في الآن نفسه واحدا من أقسى نقادهم، وهو ليس وضعيا بأية حال، والسبب واحد ووحيد، وهو أنه لا يوافقهم على معيار التحقق خصوصا، ومعاييرهم لتمييز العلم عموما، بصفة عامة كان هذا المعيار هو أساس معظم الخلافات التي اشتجرت بينهم وبين الفلاسفة والنقاد، ذلك ببساطة لأنه مربط الفرس في مذهبهم هذا، وقد أصبح سريعا هو الفكرة التي تقود وراءها المذهب بجملته،

8

بل وإن التاريخ اللاحق لحركة الوضعية، قد تحدد بمحاولاتهم لحل طائفة من المشاكل بدت أمامهم، وكانت إلى حد كبير بسبب تعويلهم على معيار التحقق.

9

وقد أدت محاولات الحلول هذه إلى طرح أفكار لحل نفس المشكلة - تمييز المعرفة العلمية - فلم يعد أمامنا معيار التحقق فحسب، بل ومعيار القابلية للاختبار والتأييد، ولغة العلم ومحاولة فتجنشتين المتأخرة، كلها تحاول تحقيق هدف التحقق متفادية أخطاءه. (3) من ناحية أخرى فقد سبقت هذه المعايير - خصوصا معيار التحقيق - معيار القابلية للتكذيب البوبري، فقد عرف طريقه إلى الأسماع والأبصار، وشغل الأوساط الفلسفية قبل أن تعرف هذه الأوساط بوبر أو معياره؛ لذلك كان عبثا كبيرا على بوبر أن يلقى مكانا لمعياره، لا سيما أن الوضعية كانت موضة شائعة في عصرها، ومن يخرج عليها - كبوبر - يعد رجعيا متخلفا.

بالإضافة إلى ما يبدو للوهلة الأولى من تشابه بين التحقيق والتكذيب، مما ساعد على شيوع الخطأ الكبير باعتبار بوبر وضعيا، واعتبار القابلية للتكذيب مجرد امتداد للقابلية للتحقيق أو تعديلا له.

ولقد ذاع هذا الخطأ، لدرجة أن دائرة المعارف الفلسفية - وهي المرجع العلمي الرفيع الذي لا يتطرق إليه شك أو نقد - تعتبر التكذيب مجرد امتداد للتحقق، فتتناوله تحت مادة مبدأ التحقق، وتعالجها في إطار واحد، ومن منظور واحد، والحقيقة الحقة أنهما جد مختلفان شكلا وموضوعا، وقد وجه بوبر نقده الحاسم لمعيار التحقق ولسائر معايير الوضعية جملة وتفصيلا، واختلفت محاولته لتمييز العلم اختلافا شكليا وموضوعيا وفلسفيا عن معيار التحقق وعن سائر معايير الوضعية.

لكن ما هو معيار التحقق هذا أولا؟ (4) معيار التحقق هو قاعدة تجسد مبادئهم السابقة، من أن كل حقيقة تركيبية تستمد من الملاحظة، وأن كل ما يسهم به العقل في المعرفة ذو طبيعة تحليلية، فكان مضمونه هو أن الجملة التي ليست بتحليلية لكي تكون ذات معنى، لا بد أن تعبر عن واقع حسي تجريبي، وأن الجملة التي لا يمكن تحديد صدقها من ملاحظات حسية ممكنة هي جملة لا معنى لها،

10

حيث إن المعنى هو العلم، واللاعلم هو اللامعنى، فكان أن صاغ ألفرد آير المعيار كالآتي: «يكون للجملة معنى حرفي فقط، إذا كانت تعبر عن قضية تحليلية أو قضية ممكنة التحقق تجريبيا.»

11

لقد استبعدوا القضايا التحليلية: الرياضة والمنطق، المعيار يطبق فقط على القضايا التركيبية، ليحدد منها العلم الطبيعي، ويستبعد الميتافيزيقا، ودع عنك الأوامر والنواهي وسائر التعبيرات الدالة على قيم معيارية من قبيل: «ما أجمل الزهور» «القتل جريمة بشعة» ومثال هذه التعبيرات في عرفهم محض إنشائية، ونظرا لأن فلسفة الوضعية ذات خاصة معرفية فهي لا تعنيهم البتة، بل تعني نقاد الفن والأدب، المهم ألا يزعم أصحابها أنهم يزيدوننا معرفة بالواقع.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٩٩