حقا إن موضوعنا هو فلسفة العلم في القرن العشرين، أي إنه منصب على هذه الحقبة الأخيرة، والتي كانت الحضارة الغربية مسرحها، إلا أن الطرح المنهجي المتكامل يقتضي أن نعطي كل مرحلة حقها؛ لأن العلم أنبل مشروع ينجزه الإنسان طرا، إنه أعظم شأنا وأجل خطرا من أن تستأثر بإنجازه من ألفه إلى يائه حضارة معينة، أو مرحلة واحدة من مراحل التاريخ، وإذا كان مبدأ «أرنولد توينبي»
A. Toynbee (1889-1975م) في دراسة التاريخ هو أنه لا توجد أمة في العالم يتأتى دراسة تاريخها بمعزل عن تواريخ بقية الأمم، فإنه لا يمكن دراسة مرحلة من تاريخ العلم وفلسفة التفكير العلمي بمعزل تام عن المراحل الأخرى المفضية إليها. وأول تساؤل يفرض ذاته: متى يبدأ تاريخ العلم؟
ثالثا: متى يبدأ تاريخ العلم: الأصول الأنثروبولوجية
إن العلم أنبل فعاليات الإنسان وأكثر أشكال الحضارة البشرية حضورا وتعينا وتمثلا وأشدها إيجابية، ويمكن القول: إن العلم كموقف إنساني هو في جوهره أقدم عهدا من التاريخ، بدأ قبل أن يبدأ التاريخ، ببداية وجود الإنسان في العالم، إنسان نياندرتال، أو على أقل الفروض منذ العصر الحجري قبل بداية الحضارة الإنسانية وتاريخها المكتوب بزمان سحيق. وهذه الحقب السحيقة من تاريخ وجود الإنسان في الكون، ما كان يمكن اقتحامها ومحاولة دراستها إلا بواسطة مناهج للبحث وأساليب وأدوات ووسائل، تطورت فقط في القرن العشرين.
ويأتي ج. ج. كراوثر
J. J Crowther
الذي يعد من أهم مؤرخي العلم في القرن العشرين؛ ليذهب ببدايات العلم إلى ما هو أبعد من ذلك، طارحا الاحتمال بأن يكون العلم أقدم عهدا وأسبق في الوجود من الإنسان ذاته! فيقول كراوثر في كتابه الممتع حقا «موجز لتاريخ العلم 1969م» والذي ترجم إلى العربية تحت عنوان «قصة العلم» يقول:
المضادات الحيوية والحاسبات الإلكترونية والطاقة النووية والسفر عبر الفضاء ... هذه المكتشفات بالغة التطور التي تثير الدهشة والإعجاب قد تبدو للوهلة الأولى وكأنها تنتمي لجنس آخر أو نظام مختلف من الوجود لا صلة له بإنسان ما قبل التاريخ، وهي على العكس من ذلك تمتد بجذورها للجهد الإنساني البدائي فيما قبل التاريخ المكتوب، ومحاولات أسلافنا الساذجة في استخدام الحجارة لصنع أدواتهم هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين، ومثلها من محاولات لتصحيح الأخطاء، قادت إلى ما يتصف به علمنا التجريبي اليوم من كمال، فالجهد الذي بذله أسلافنا الأوائل للتنسيق بين أفعالهم البصرية وحركات أيديهم، والذي هو نوع من النشاط العلمي التجريبي، وإن كان في صورة بدائية، كان أحد أسباب نمو المخ، والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيا من الحيوانية إلى الإنسانية؛ إذن العلم - بمعنى ما - أقدم من الإنسان.
7
هكذا يطرح كراوثر بواكير محاولات التحاور بين المخ وبين المعطيات الحسية والخبرات التجريبية أو بين الدماغ واليد، وتصويبها وتعديلها عبر آلية المحاولة والخطأ، وأثر ذلك على تطور المخ ليبلغ المرحلة الإنسانية، ومن هذا المنظور تكون المحاولات البدائية للعلم أقدم عهدا من إنسانية الإنسان، بل ومؤدية إليها، ويبقى أن نلاحظ كيف أن التحاور بين اليد والدماغ عبر آلية المحاولة والخطأ هو جوهر نظرية المنهج العلمي التجريبي!
ربما انطوى هذا التأويل على قليل من العسف وشيء من المبالغة، وكراوثر نفسه يطرحه كاحتمال، لكن بدايات العلم منذ العصر الحجري هو ما يأخذ به غالبية مؤرخي العلم من الراغبين في الطرح المتكامل.
وهذا هو ما يسلم به كراوثر نفسه، وعلى أساسه يؤرخ للعلم من حيث هو سجل موثق لتطور العقل الإنساني في استجابته للظروف المحيطة به؛ لذلك تتمركز تأريخات كراوثر حول صلة العلم بالمجتمع، والعلاقة التبادلية بينهما، وضرورة أن يهيئ المجتمع الظروف المواتية للتقدم العلمي، والتأثير الشديد للعلم على مناحي الحياة الاجتماعية، بدءا من الحرب والعلاقات الدولية وانتهاء بأشكال التقسيم الطبقي ووقائع الحياة اليومية.