تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تماما كما أكد جون ديزموند برنال

J. D. Bernal

على الوظيفة الاجتماعية للعلم، في تأريخاته المسهبة وكتابه الشهير «العلم في التاريخ» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1954م، وصدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقحة والذائعة الصيت عام 1957م.

ولم تكن مقابلة كراوثر ببرنال من بين جمهرة مؤرخي العلم جزافا، فكلاهما إنجليزي من أبناء القرن العشرين، من أبرز مؤرخي العلم فيه، ومن المهم أن نلاحظ دلالة تناقض المشارب بينهما؛ ذلك أن برنال ماركسي متحمس فيحمل عرضه لتاريخ العلم تمجيدا للقيم الاشتراكية وقدحا في الرأسمالية والطبقات المهيمنة التي جعلت العلم أمدا طويلا - طوال العصور القديمة والوسطى - مهنة أرستقراطية محجوبة عن العقول الموهوبة من جموع الشعب، فضلا عن تجهيل العلماء بمشاكل الجماهير واحتياجاتها، هذا بخلاف استغلال الرأسمالية الحديثة والمعاصرة لإمكانيات العلم وتقاناته «التكنولوجيا» استغلالا بشعا في قهر الطبقات والشعوب الأقل حظا، بينما نجد كراوثر أكثر اعتدالا، بلا تحزب أو تعصب، لكن يقدم الرد على هذا بكتابه المذكور؛ إذ يركز على أن العلم الحديث صنيعة الطبقة البرجوازية التي تشكلت في العصر الحديث، وشكلت بدورها معالمه.

وفي كلتا الحالتين المتقابلتين (دفاع برنال الصريح عن البروليتاريا ودفاع كراوثر الضمني عن البرجوازية) يكون الانطلاق من الفعالية الاجتماعية للعلم عبر التاريخ، وأن تاريخ العلم يبدأ منذ العصر الحجري، وكأن هذه مسلمات تلزم الباحثين في هذا الميدان مهما تناقضت المشارب والرؤية الأيديولوجية للعملية الاجتماعية.

والحق أن كتاب كراوثر المذكور، وإن كان يقف في مواجهة تطرف برنال اليساري، إلا أنه - أي «موجز تاريخ العلم» أو «قصة العلم» لكراوثر - يخلو من التحزب ويصعب دمغه ببطاقة سياسية أو أيديولوجية، ويمكن اعتباره أنموذجا للعرض المنهجي الشامل والسلس لتاريخ العلم كفعالية إنسانية، تنبع من استجابة الإنسان للتحديات البيئية ثم العوامل الاجتماعية التي ينبثق عنها العلم، في مثل هذا العرض لا بد وأن تبدأ قصة العلم المثيرة - تماما كما بدأت مع جون برنال - منذ ما قبل التاريخ، أي بإنسان العصر الحجري ليصل كراوثر في النهاية إلى اختراع الحاسب الآلي وغزو الفضاء واقتحام سر الحياة، فضلا عن أن يختتم الكتاب بنظرة مستقبلية هي بعض أحلام الإنسان التي يرجوها من العلم، وهي نظرة ما زالت تحتفظ بنضارتها رغم تسارع التطورات العلمية الراهنة.

وها هنا أكد كراوثر أن العلم أقدم عهدا من التاريخ؛ لأن معطياته الأساسية كانت أول ما تأمله الإنسان في العصر الحجري، والواقع أن رموز الأعداد - كما يؤكد كراوثر - اخترعت قبل اختراع حروف الكتابة مما يدل على أن التوجه العلمي متأصل في صلب أقدم مناحي الإنجاز الإنساني وفي بنية توجهه العقلي.

وإذا صح هذا فلا غرو أن أصبحت التقانة «التكنولوجيا» البدائية والعلم البدائي مواضيع دراسية متخصصة، يتكرس لها باحثون جادون ليخرجوا بنواتج جيدة، تفيد مباحث الأنثروبولوجيا، بقدر ما تفيد مباحث تاريخ العلم الراغبة في تأصيل موضوعها، بمعنى الوقوف على أصوله البعيدة؛ نشدانا لرؤية شاملة.

نذكر في هذا - على سبيل المثال - دراسة ممتازة اتخذت موضوعها قبائل الأزتك التي نزحت من الشمال واستقرت في هضبة المكسيك منذ عام 1267م، وحين اكتشاف الأمريكتين عام 1492م كانت قبائل الأزتك من أكثر الثقافات البدائية تكاملا في أمريكا الوسطى، على أنهم افتقدوا كثيرا من أوليات التقانة «التكنولوجيا» فكانوا لا يعرفون العجلة أو المحراث أو التقطير، ولا صهر المعادن والزجاج؛ لذلك اعتبرهم الباحث مرحلة بدائية جدا لم تصل حتى إلى العصر البرونزي، ومع هذا سيطروا على مشاكل تكنولوجية في بيئتهم بطريقة مدهشة، انطوت على كثير من أوليات الأفكار العلمية القابلة للتطوير، من قبيل التصورات العامة للتعاقب الزماني والأوزان والمقاييس وأوليات الحساب والهندسة والطب والجراحة والهيدروليكا وطبقات الأرض وأنواع الحجارة - أي الجيولوجيا - وقد عرفوا مجموعة محددة من المعادن منها النحاس، وأيضا الذهب الذي أطلقوا عليه اسم «المقدس» وظنوه الشمس مقابل الفضة التي هي القمر، ولكن نظرا لثراء بيئتهم بالنبات مقابل فقرها في أنواع الحيوانات، فقد اهتموا كثيرا بتصنيف النبات بالذات حتى امتلكوا في هذا قاموسا رائعا، وقد بذل الباحث جهدا مضنيا معتمدا على توصيفات الرحالة عبر التاريخ، وفحص الوثائق، بجانب الدراسة الميدانية، حتى إنه أتقن لغتهم «النيوتل»

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ١٠