تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد صدر العدد الثاني من «إيزيس» في سبتمبر عام 1919م، ثم أصبحت المجلة منذ عام 1924م لسان حال «جمعية تاريخ العلم» التي ساهم سارتون في تأسيسها. وفيما بعد أصدر مجلة أخرى تنشر بحوثا مطولة أكثر أسماها «أوزوريس»، ونلاحظ ولعه بالعناوين الشرقية، فعمق انشغاله الحقيقي الأصيل بتاريخ العلم جعله شديد التقدير لدور الحضارات الشرقية القديمة وتاريخ العلوم عند العرب إبان العصور الوسطى في رسم فصول قصة العلم العالمية، التي يؤكد دائما أنها معامل الوحدة بين البشر. واضطلع سارتون بالتأريخ النظامي الممنهج للعلم منذ هوميروس إلى عمر الخيام حتى روجرز بيكون، ولكي يزداد تمكنا من التأريخ للعلم انتقل إلى المشرق في عامي 1931-1932م لدراسة الإسلام واللغة العربية، مما يبرز أهمية تاريخ العلوم عند العرب في ملحمة العلم المجيدة.

أصبح سارتون أستاذا لتاريخ العلم في جامعة هارفارد منذ عام 1940م وحتى تقاعده ورحيله. ولا شك أن جهوده وجهود زملائه من أعضاء «جمعية تاريخ العلوم» أمثال «بول تانري»

P. Tannery

من العوامل التي تمخضت عن تأسيس أقسام متخصصة في تاريخ العلوم بالجامعات الأمريكية منذ عام 1950م - كما ذكرنا.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين انتشرت هذه الأقسام الجامعية المتخصصة في أنحاء شتى من العالم - للأسف الشديد ليس من بينها مصر والبلاد العربية - معظمها يحذو حذو أكسفورد وكمبردج في إنشاء قسم لفلسفة العلم وتاريخه معا، يعطي شهادة جامعية في هذا التخصص الذي يضم المبحثين. وتجدر الإشارة أيضا إلى التجربة الإيطالية في دراسة تاريخ العلوم التي ازدهرت منذ الستينيات، تمت هي الأخرى تحت رعاية الفلسفة وأنجزت حصادا طيبا.

في هذا الإطار التنظيمي ظل المبحثان - فلسفة العلم وتاريخ العلم - مختلفين متمايزين ومستقلين إلى حد ما، يجتمعان فقط على عنايتهما بنفس الموضوع، أي ظاهرة العلم. قد يكون هذا في حد ذاته علاقة، لكنها صورية شكلية تنظيمية واهية، حتى بدت هذه العلاقة على مستوى الأبحاث والأطروحات وكأنها مشكلة غير قابلة للحل،

5

ولم يدخل الوعي التاريخي في صلب فلسفة العلم كصيرورة ونماء لها، إلا بفضل تطوراتها الداخلية على يد الرواد المتأخرين من فلاسفتها المحترفين، هذا صحيح، لكن لا شك أن تنامي الاهتمام الأكاديمي بتاريخ العلم، وتدفق البحوث العلمية والمجلات المتخصصة والندوات والمؤتمرات الدولية ... كانت من العوامل القوية التي ساهمت في أن يحل الوعي بتاريخ العلم في صلب فلسفة العلم.

لقد بدا واضحا أن كلا الطرفين - تاريخ العلم وفلسفة العلم - في حاجة إلى التفاعل العميق مع الآخر، وهؤلاء المحترفون المتخصصون في تاريخ العلم الذين برزوا في العقود الأخيرة ورثوا عن الرواد العظام تركة زاخرة، لكنها رؤى متنافرة خلقت توترا في الميدان يستدعي تضافرا منشودا بين فلسفة العلم وتاريخه؛ لأن الإبستمولوجيا - كما يقول جان دومبريه

J. Dhombres - تقدم العون الأساسي في التعريف الحقيقي لنشاط تاريخ العلم، وتاريخ العلم بدوره ليس مجرد ذاكرة العلم، بل هو مختبره الإبستمولوجي

Epistemological Laboratory ،

6

أو كما قال إمري لاكاتوش

I. Lakatos (1922-1974م) فيلسوف العلم البارز بعبارته النافذة التي كانت قوية التأثير حقا: «فلسفة العلم بدون تاريخه خواء، وتاريخ العلم بدون فلسفته عماء.» وسوف نتوقف عندها تفصيلا في الفصل الأخير.

لقد كان إغفال أهمية تاريخ العلم قصورا كبيرا في بنية التفكير العلمي وفلسفته، وكان لا بد من تجاوزه، كما فعلت فلسفة العلم في واحد من اتجاهات تطورها اللاحقة والمحمودة حقا، التي شهدتها المراحل الأخيرة من القرن العشرين.

وإذا سلمنا بهذا، وبأن المعالجة المتكاملة للظاهرة تقتضي الإحاطة بأبعادها التاريخية، وجب علينا أن نمهد لمقبل الحديث بصورة عامة لتاريخ العلم أو لصيرورته عبر مسار الحضارة الإنسانية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٨