تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربما لهذا رأى جون ستيوارت مل أن المنهج الاستقرائي هو آلية الاستدلال الوحيدة التي يمتلكها العقل ومنطق العلم ومنطق العمل ومنطق الحياة، وكما رأينا، التعميم الاستقرائي الساذج محاط بقصورات وصعوبات وإشكاليات جمة. أما حين تقدم النظرة الفلسفية المنهج العلمي التجريبي بوصفه المنهج الفرض الاستنباطي الذي ينطلق من فرض أبدعه عقل الإنسان ثم يخرج منه بنتائج جزئية يهبط بها إلى الواقع التجريبي ليختبر الفرض، فيقبله أو يعدله أو يرفضه، فإن النظرية الفلسفية بهذا تقدم صياغة مثلى للعقلانية التجريبية، للعقل حين يرسم سبلا موجهة ناجحة، حين ينطلق بمجمل طاقاته وقدراته أقصى انطلاقة في محاولاته الجسورة لوضع الفروض العلمية، لكنها دونا عن كل انطلاقات العقل ملتزمة بالواقع بما تنبئ به التجربة لتتعدل الفروض أو تقبل أو تلغى وفقا له. منهج العلم التجريبي ينصت لشهادة الحواس ومعطيات الوقائع، فتعين موضع الخطأ والكذب في الفرض حين يتعارض معها، يتم تصحيحه والبحث عن فرض جديد متلاف لذلك الخطأ، يعرض بدوره على محكمة التجريب، ويتم تعديله بفرض جديد ... وهكذا دواليك في متوالية لتقدم لا يتوقف أبدا، حتى ليكاد أن يكون البحث العلمي هو التمثيل العيني لمقولة التقدم، كفعالية مستمرة تحمل في صلب ذاتها عوامل تناميها المتواصل دوما، كل إجابة يتوصل إليها العلم تطرح تساؤلات أبعد، فيؤدي كل تقدم إلى تقدم أعلى، ومهما علونا في مدارج التقدم لن تغلق المعامل أبوابها، ولن ينتهي البحث العلمي أبدا. لذلك لم يكن العلم بناء مشيدا من حقائق قاطعة، بل هو نسق من فروض ناجحة، كل يوم فروض أنجح من سابقتها، أجدر وأقدر على الوصف والتفسير والتنبؤ والسيطرة، كل يوم جديد يتلافى أخطاء وقصورات القديم، فيلغيه أو على الأقل يستوعبه ويتجاوزه، ويقطع في طريق التقدم خطوة أبعد منه، في صيرورة - تغير مستمر نحو الأقرب من الصدق، الأفضل والأقدر.

وفي خضم هذه الحركية التقدمية الجبارة ينتصب مارد المنهج العلمي بوصفه الثابت الديناميكي إن جاز التعبير، أو القوة المثمرة الولود لكل ما يتواتر من تغيرات. في أعطاف هذا المارد تقوم وقائع التجريب بدور ناقد قاس لا يعرف الرحمة حين تعيينه لمواضع الخطأ، دور الفيصل والفاروق بين الصدق والكذب، القاضي الحاتم ذي الحكم الموجب النفاذ: إنها مسئولية عسيرة أمام الواقع والوقائع لا يقوى على الاضطلاع بها إلا المنهج العلمي، فهو التآزر الجميل المثمر الخصيب بين العقل والتجريب، الفهم والحواس، اليد والدماغ، الفكر والواقع، إنه العقلانية التجريبية.

هكذا يستقي المنهج العلمي أرومته من قلب معامل العلماء ومعترك كفاحهم الضاري والنبيل، لكنه ينصب في قلب البناء الحضاري ليس البتة كتقنية خاصة بذوي الاحتراف، بل كبلورة مستصفاة للتفكير المثمر الملتزم بالواقع والوقائع؛ لتعقيل السير نحو الهدف، وكل لحظة من لحظات زماننا الظافر ببلورة المنهج العلمي - بفضل فلاسفة العلم في بحثهم الدءوب عن صياغة طرائق التفكير العلمي السديد - تشهد بتصديق مستديم على أن هذا المنهج أنجع وسيلة امتلكها الإنسان للسيطرة على واقعة، إنه سبيل إلى الظفر المبين في خضم عالم الواقع ومشكلاته.

لقد امتد هذا السبيل واضحا ممهدا بفضل جهود القرن العشرين في العلم وفلسفته. وترسم عبر الصفحات السابقة في هذا الفصل حد واضح بين فلسفة العلم الحديث حتى نهاية القرن التاسع عشر وفلسفة العلم في القرن العشرين، حد أو فارق يتبلور حول مغزى التجريبية، فبعد أن كانت معينا نغترف منه الفروض العلمية أصبحت في القرن العشرين محكا نلتجئ إليه لاختبار الفروض وقبولها أو تعديلها أو رفضها، فاتضح أن التجريبية في جوهرها هي الاختبارية. ويمكن أن نلاحظ عبقرية اللغة العربية التي وضعت مصطلح «المختبر» مرادفا للمعمل، ورمزه النمطي أنبوبة «الاختبار» الشهيرة. وأخيرا إذا كانت نظرية المنهج الفرضي الاستنباطي قد ارتهنت بها كل تلك الإيجابيات الجمة، فالواقع أنها انعكاس لإيجابيات التطورات العلمية التي تسارعت في القرن العشرين واقتحمت أعماق الذرة وأغوار الفضاء السحيق. ألم نتفق قبلا على أن نظرية المنهج خير تجريد وتجسيد لروح العصر والقرن؟!

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٨٨