وقبل أن نوضح هذه النقطة الهامة والمجدية كثيرا، نلاحظ قبلا أن المنهج العلمي واحد وهو كثير! واحد على مستوى النظر الفلسفي وكثير متعدد على مستوى التطبيقات العينية.
ذلك أن النظرية الفلسفية الميثودولوجية ليست مجرد توصيف لما يفعله العلماء، ولا هي محض معيار صوري يفرض عليهم، بل مركب جدلي من الوصفية والمعيارية. إن الفلسفة دائما هي الوعي بموضوعها، الوعي المتميز عن الفهم التفصيلي التفتيتي، متميز بأنه أشمل نظرة لما هو كائن؛ تأصيلا له واستشرافا لما ينبغي أن يكون، استشراف الطبائع العامة المميزة للبحث العلمي، أي المعالم المحورية أو الثوابت البنيوية، علم مناهج البحث - الذي رأيناه صلب فلسفة العلم - حين يتعرض للمنهج التجريبي بهذه النظرة الجذرية التأصيلية والشمولية الاستشرافية، يحاول الاهتداء إلى سمات البنية والقسمات الجوهرية، فيكون المنهج الفرضي الاستنباطي - كما كان المنهج الاستقرائي - هو التصور الفلسفي المنطقي للهيكل العام الذي يرسم أسلوب التعامل العلمي مع الواقع؛ لذلك فهو واحد.
لكن الواقع العلمي متنوع، فالعالم التجريبي للبكتريا مختلف عن العالم التجريبي للفلك، وغير العالم التجريبي للنفس ... إلخ، وبطبيعة الحال لا بد أن تختلف طرائق البحث وأساليبه الإجرائية وتقاناته الإمبيريقية من علم إلى علم، بل إنها تختلف داخل العلم الواحد، أولا تبعا لدرجة تقدمه، وثانيا تبعا لزوايا ومستويات تناوله لموضوعه. على هذه الاختلافات الإجرائية ينصب اهتمام العلماء المتخصصين، كل يسخره لخدمة موضوعه، وبما يتلاءم مع الطبيعة النوعية لمادة بحثه، بكل تميزها وخصوصيتها عن مواد العلوم الأخرى. بهذا المنظور التخصصي تظهر علوم لمناهج البحث ملحقة بفروع العلوم المختلفة لتعالج الأساليب التقانية والوسائل الاختصاصية المتكيفة مع موضوع البحث ومادته التي تختلف من علم لآخر، فنجد مثلا «مناهج البحث في علم الاجتماع»، و«مناهج البحث في علم الفلك»، و«مناهج البحث في الهندسة الوراثية»، و«مناهج البحث في علم النفس» ... إلخ، وكل فرع قد ينقسم بدوره إلى فروع، فنجد «مناهج البحث في علم النفس الاجتماعي»، و«مناهج البحث في علم نفس الشخصية»، و«مناهج البحث في علم النفس الإكلينيكي» ... إلخ هذه المسائل المتعلقة بنوعيات الإمبيريقيات وأساليب الممارسة الإجرائية، مسألة تخصصية يعالجها كل علم وفقا لطبيعة مادته، والعلماء المنشغلون بها هم الأخبر.
والفلسفة دائما هي النظرة الكلية الباحثة عن المبادئ العمومية الكامنة في الأعماق البعيدة، وبهذا المنظور نجد الميثودولوجيا - أي علم مناهج البحث الذي رأيناه صلب فلسفة العلم - يبحث من وراء هذه الاختلافات عن الأسس العامة التي يمكن تجريدها من المواقف العلمية المختلفة، لنجدها أسسا منطبقة لا على الفلك دون الاجتماع أو النفس دون الكيمياء، بل هي منطبقة على كل بحث علمي من حيث هو علمي. معنى هذا أن المنهج الفرضي الاستنباطي هو المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية الفيزيوكيماوية والعلوم الحيوية والعلوم الإنسانية على السواء.
وكما ذكرنا لا يقتصر أمره على تجريد روح العلوم الإخبارية وطرائق تناميها، والتصور الفلسفي للمنهج التجريبي حين يقف على المعالم المحورية والثوابت البنيوية في شتى متغيرات المناهج العلمية التجريبية، فإنه يعطينا خلاصة وفحوى آلية تعامل العقل الإنساني - الملتزم والمثمر - مع الواقع الذي نعيش فيه، ولا غرو أن تأتينا من العلم، فمهما تمخضت البحوث العلمية في النهاية - أو في تطبيقاتها - عن إنجازات تلغي الزمان والمكان، كالسفر بسرعة الصوت والتواصل بسرعة الضوء، وغزو الفضاء والذرة، وتحويل مجاري الأنهار واخضرار الصحاري، مقاومة الأمراض ومداواة العاهات الجسدية والنفسية والاجتماعية ... مهما تحققت إعجازات تتضاءل بجوارها معجزات الأساطير، سيظل المغزى الأعظم للبحث العلمي هو أنه تجسيد لطرائق التفكير السديدة المثمرة، لقوة إيجابية وآلية فعالة امتلكها عقل الإنسان وأحسن تشغيلها وتطويرها، ويمكن تسخيرها في تعاملات شتى مع الواقع وليس البحث العلمي فحسب، فتمثل قوة دافعة للحضارة بجملتها.