والحق أن المحصلات الباذخة للعلم وفلسفته ونظريته المنهجية في القرن العشرين، كانت نتاجا للثورة المباركة التي اقترنت بها مطالع القرن العشرين.
فما خطب هذه الثورة؟
الفصل الرابع
| ثورة الفيزياء الكبرى من منظور فلسفة العلم
أولا: الكوانتم
1
في فاتحة القرن العشرين، وبالتحديد في السابع عشر من ديسمبر العام 1900م، في جلسة الجمعية الفيزيائية التابعة لأكاديمية العلوم في برلين، أعلن ماكس بلانك
M. Plank (1858-1947م) فرض الكوانتم العبقري، ولحقت به نظرية النسبية لآينشتين بعد سنوات خمس. هذه البداية الحاسمة تجعل القرن العشرين متميزا كوحدة فريدة ونقطة تحول في مسار العلم، فلم تكن بدايته مجرد مسألة تقويم ميلادي أو تعدادا في تواريخ الأيام، بل هي مستهل طريق جديد في البحث العلمي، وطريق جديد بكل معاني الجدة المتمايزة عن المألوف والقديم. إنه طريق شقته ثورة كبرى تقوم بصفة أساسية على دعامتين هما نظرية الكوانتم ونظرية النسبية.
سرعان ما أثبتت سنوات القرن العشرين وعقوده كم كانت هذه الثورة مباركة، وكم كان الانقلاب الذي أحدثته في مسلمات العقل العلمي ومنظوره ورؤاه انقلابا إيجابيا ممثلا لمرحلة أعلى من تطور التفكير العلمي، وكم كان طريقها الجديد مثمرا واعدا، وحق اعتباره طريقا للظفر العلمي المبين. فقد انتهى القرن العشرون متوجا بحصاد علمي يتيه به على القرون أجمعين، تفجرت فيه الطاقة التقدمية للعلوم الطبيعية، وفاقت كل معدلات التقدم المعهودة من قبل، وبمجرد أن انتهى نصفه الأول قيل: إن «أكثر من ثلاثة أرباع علم الفيزياء المعروف لنا اليوم قد أنتجه القرن العشرون»،
2
وفي نصفه الثاني تضاعف هذا النتاج . ولحقت بالفيزياء - وهي العلم الطبيعي الأم - بقية أفرع العلوم الطبيعية، ونشأت فروع أخرى ولا تزال تنشأ في حركية تقدمية دافقة، تبدو فيها الفيزياء وكأنها ظلت طوال القرن العشرين محتفظة بدماء الثورة، ومحورا تدور حوله فلسفة العلم.
ومنذ البداية تصدر فرض الكوانتم طليعة المد الثوري، فما هو الكوانتم؟
لكي نجيب على هذا السؤال، لا بد من العود إلى المشكلة العلمية التي تقدم فرض الكوانتم لمحاولة حلها، ثم تعاظم أمره فيما بعد، وتلك المشكلة لم تكن مجرد مشكلة، بل كانت معضلة في إطار أزمة الفيزياء الكلاسيكية زادت من حدة الأزمة، يمكن أن نسميها «الكارثة فوق البنفسجية نسبة إلى الأشعة فوق البنفسجية».
إن عائلة الإشعاع الكهرومغناطيسي رحيبة جدا، تمتد بطول الكون وعرضه، ويمكن تصنيفها تبعا لصغر طول الموجة كالآتي: الأشعة الكونية - أشعة جاما - الأشعة السينية - الأشعة فوق البنفسجية - الأشعة المرئية «وهي الضوء بالمعنى المعتاد للكلمة» - الأشعة تحت الحمراء - ذبذبات الراديو. وتنبعث الأشعة تحت الحمراء بفعل التأثير الحراري للمصباح أو الموقد أو اللهب أو الشمس أو النجوم البعيدة ... إلخ. وقد وضعت الفيزياء الكلاسيكية قوانين للإشعاع الحراري، نشير الآن إلى اثنين مألوفين في التجربة اليومية للحس المشترك: (1)
كلما سخن الجسم ازداد سطوعه. (2)
يتغير لون التوهج بازدياد درجة الحرارة.
3
ولكن ظهر للأجسام السوداء خاصية القدرة على امتصاص أشعة الضوء، كما للفلزات خاصية عكسها، فقرر الفيزيائيون اختيار الأجسام السوداء في بحثهم عن الجسم المثالي لتكون عاملا قياسيا، فالجسم الأسود يمتص الإشعاع الكهرومغناطيسي، وهذا يعني أنه يسخن بواسطته إلى أعلى درجة حرارة بالنسبة للأجسام الأخرى، والعكس صحيح فالجسم الأسود يصبح عند التسخين لدرجة حرارة عالية مصدرا للضوء وتنبعث منه الإشعاعات في درجة الحرارة العالية بقوة أكبر من جميع الأجسام الأخرى. إذن فباستعمال الجسم الأسود يمكن وضع قوانين الإشعاع الحراري الكمية بأفضل شكل. وتمثلت هذه القوانين في قانونين، الأول وضعه العالمان ستيفان وبولتسمان، وينص على أن الطاقة التي تنبعث من الجسم الأسود في كل ثانية على صورة إشعاع حراري يتناسب مع الأس الرابع لدرجة حرارته المطلقة،