تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أثبت هيوم أن التجريبية الخالصة لا تشكل أساسا كافيا للعلم، في حين أننا إذا سلمنا بتلك القاعدة الوحيدة، أي الاستقراء، كل شيء بعد ذلك يتلاءم مع النظرية القائلة إن كل معرفتنا قائمة على الخبرة، ويجب التسليم بأن هذا افتراق خطير عن التجريبية الخالصة. فقد يتساءل بعض التجريبيين لماذا نسمح بالخروج عن نطاق التجربة في هذه النقطة المتعينة ونمنع في غيرها؟! وعلى أية حال هذه تساؤلات لا تثيرها مناقشات هيوم بصورة مباشرة، ولكن ما تثبته تلك المناقشات - ولا أعتقد أن هذه الحجة يمكن معارضتها - هو أن الاستقراء كقاعدة منطقية مستقلة لا يمكن أن نستدل عليها من التجربة، ولا من قواعد منطقية أخرى، وأنه بغير هذه القاعدة يصبح العلم مستحيلا.

29

هذه هي مشكلة الاستقراء التي حيرت الفلاسفة منذ هيوم، و«عدت واحدة من أعقد المشاكل الفلسفية وأكثرها إثارة للمناقشة والجدل».

30

وكانت طبعا شغلا شاغلا لفلاسفة العلم، قل أن يمر أحدهم دون أن يبذل قصارى جهده لمواجهتها، حتى ذهب البعض إلى محاولة حلها عن طريق القياس الأرسطي ذاته الذي نهض الاستقراء أصلا في القرن السابع عشر لكي يناهضه ويلغيه، ويحل محله كأسلوب للتفكير ومنهج للبحث. قال هؤلاء القياسيون إن كل استدلال استقرائي يتضمن قياسا مقدمته الكبرى عقلية قبلية مؤداها «الصدفة لا تتكرر دائما ولا حتى كثيرا»، ومقدمته الصغرى هي «أ» و«ب» اقترنتا في كل الحالات المستقرأة والنتيجة: إذن «أ» علة «ب».

31

والمناقشة السابقة للاتجاه العقلي في التسليم بالعلية كمبدأ قبلي، ورفض ما ينطوي عليه هذا من نزعة أولانية

Apriorism ... ذلك يعني بالضرورة رفض التسليم بالمقدمة الكبرى في هذا القياس، فمن أين أتينا بها؟ وما الذي يمنع أن تتكرر الصدفة؟!

ولكن ماذا عن أصحاب النزعة الاستقرائية أنفسهم، الاستقرائيين الخلص أو أكثر الاستقرائيين استقرائية، كيف واجهوا مشكلة الاستقراء؟ إنهم لا ينكرون أن هيوم أثبت استحالة وضع تبرير حاسم للاستقراء، وراح بعضهم يزعم أن الاستقراء ليس في حاجة إلى تبرير؛ لأن المنهج ذاته لا يبرر، فقط يمكن تطويره وتحسينه،

32

وبإعفاء أنفسهم من التبرير غاصوا في مستنقع ما يمكن أن نسميه باللاعقلانية التجريبية، حين نجدهم يقولون: إن العلم يتقدم سواء حلت هذه المشكلة أم لا، فلا داعي لإثارتها! ويجعلون التقدم العلمي تبريرا برجماتيا - أي عمليا نفعيا - للاستقراء، فنسلم به؛ لأنه نافع ومفيد. بيد أن منطق العلم ليس مرابيا يتنازل عن الاعتبارات مقابل الفائدة والربح، وفتح الباب لقبول أي شيء غير مبرر وبلا حجة ولا سند، فقط لأنه نافع ومفيد، يؤدي إلى نتائج وبيلة، كما يسلم نقاد الفلسفة البرجماتية الكثيرون والرافضون لها.

أما أصحاب النزعة الاستقرائية في القرن العشرين، حيث انتهت الضرورة والحتمية الميكانيكية، وأصبح الاحتمال هو منطق العلم - كما سنرى، فقد ذهبوا إلى أنهم كان يمكن أن يتركوا الاستقراء لو أنهم يبحثون به عن اليقين، لكن طالما أن جميع القوانين العلمية احتمالية، فلا بأس أن يكون أساس الاحتمال ليس ثابتا.

33

وببساطة نلاحظ أنهم لم يفعلوا شيئا أكثر من سحب السمة اللاعقلانية من القوانين اليقينية لتغطي أيضا القوانين والفروض الاحتمالية. والمحصلة أن الاستقراء يجعل العلم - سواء يقينيا أو احتماليا - قائما على غير أساس.

ليس فقط أصحاب النزعة الاستقرائية، بل جل فلاسفة العلم التجريبي حاولوا جاهدين حل مشكلة الاستقراء ولم يفلح أحد. فما دام البدء من وقائع تجريبية محدودة، يستحيل العثور على مبرر للقفزة التعميمية، وفي النهاية يحق القول الدارج: الفلسفة لا منها ولا كفاية لشرها! لم تستطع أن تنجز ما أنجزه العلم، وحين قنعت بمحاولة تبريره وتمييزه بمعيار يحدد معالمه، انتهت إلى ما لا يمكن تبريره وما لا يعني إلا أن العلم التجريبي بجلال قدره قائم على غير أساس، وأسفر الوضع بفلسفة العلم عن موقف مأساوي وهزلي: العلم الحديث هو النحيب الأثير للعقل الإنساني وآيته ودرة ما أنجزه «ولكن منذ زمان هيوم أصبحت البدعة المستحدثة في العلم هي إنكار عقلانيته!»

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٨٠