تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

لذا يقول وايتهد

A. N. Whitehead (1861-1947م) إن مشكلة الاستقراء هي «يأس الفلسفة» وأسماها برود «فضيحة الفلسفة»! إن فلسفة العلم من الأعضاء الجدد في الأسرة الفلسفية، فهل حقا جلبت للأسرة العريقة النبيلة كل هذا العار والشنار ... الفضيحة واليأس؟!

كلا وألف كلا! والسؤال الحاسم: هل مشكلة الاستقراء - غير القابلة للحل - دليل على عقم المباحث الفلسفية؟ أم هي برهان وتبيان لمدى ثقوب النظر الفلسفي؟

الواقع أن التطورات اللاحقة للعلم وفلسفته في القرن العشرين تجعل كل الشواهد تؤكد البديل الثاني، تؤكد قدرة التفلسف الفذة على استشراف الآفاق المستقبلية واستبصار ما ينبغي أن يكون، قدرة الفلسفة على كشف عقم وقصور ظروف حضارية ومعرفية معينة وضرورة تجاوزها بعد أن أدت دورها واستنفدت مقتضياتها، ووجب الصعود إلى مرحلة أعلى من التقدم، والمقصود على وجه التحديد قصورات ظروف حضارية معينة دفعت العلماء والمعنيين بظاهرة العلم آنذاك إلى تأكيد أن الملاحظة هي نقطة البدء، والقانون العام هو النهاية التي نخلص إليها، في حين أن العكس هو الصحيح، ولا يمكن إيضاح هذا إلا من موقع يرابط في قلب القرن العشرين.

رابعا: الملاحظة أم الفرض: آفاق القرن العشرين

إن مشكلة الاستقراء شاهد قوي على مكانة الفلسفة ومآلها؛ لأنها - بنظرة شاملة وعميقة - ليست مجرد مشكلة تقنية منهجية وأسلوب عمل خاص بقوم يحترفون مهنة جليلة اسمها «البحث العلمي»، بل إن مشكلة الاستقراء من أمهات مشاكل الموقف الفلسفي إطلاقا؛ لأنها مشكلة العلاقة بين التجريب والتنظير ... الحواس والعقل ... اليد والدماغ ... الواقع والفكر، وبمصطلحات فلسفة العلم وقد أضحت فلسفة العصر: الملاحظة والفرض «إن بينهما انفصالا وتمايزا لا يمكن تجاهله، وتأييد أحدهما للآخر مسألة لا تخلو من الغموض، حتى إن العلاقة بينهما ملتبسة أمامنا»،

35

مما يجعلها دائما من المحاور المركزية لفلسفة العلم.

والسؤال الآن الذي ظل ردحا طويلا ماثلا هو: أيهما أسبق: الملاحظة أم الفرض؟ وليس الأمر تلاعبا بأطراف منظومة معرفية، بل هو طرح انقلابي لطبيعة العلم وطبيعة موقع العقل في هذا الكون، فلو كانت الملاحظة هي الأسبق والفرض أو القانون يتبعها - كما ينص الاستقراء - فإن العلم تعميم آلي للوقائع ودور العقل الإنساني تابع للحواس سلبي هامشي، فقط يخدم الملاحظة الحسية ليخرج بقوانين مستقرأة من صلب الواقع التجريبي فتكون يقينية ضرورية حتمية، ويغدو نسق العلم بناء مشيدا راسخا ثابتا، يعلو ولكن لا تبديل ولا تعديل، أما إذا كان الفرض هو الأسبق، فإن العقل الإنساني المبدع للفرض هو الذي يخلق ملحمة العلم المجيدة، لا يخدم الملاحظة الحسية، بل يستخدمها لتمحيص وتقنين الفروض، لقبولها أو رفضها، وتظل دائما إبداعا إنسانيا، وكل شيء في عالم الإنسان متغير ومتطور، فلا يعود نسق العلم بناء مشيدا، بل فعالية إنسانية حية نامية ومتطورة دائما، ويتضح لماذا نجد التقدم العلمي مفطورا في صلب البحث العلمي.

هكذا قدمت فلسفة العلم نظريتين في المنهج التجريبي، متقابلتين ومتعاقبتين، الأولى تبدأ بالملاحظة والثانية تبدأ بالفرض:

أولا:

نظرية البدء بالملاحظة، أي الاستقراء التقليدي الذي رأيناه فيما سبق، ويثير المشكلة الشهيرة، وهي نظرية منهجية تواكب العلم الحديث حتى نهاية القرن التاسع عشر، العلم الكلاسيكي الذي تؤطره فيزياء نيوتن، فكان نيوتن هو الممثل الرسمي لهذه النظرة، جسدها بقوله: أنا لا أفترض الفروض

Hypotheses non Fingo ، بمعنى أن القوانين العلمية مأخوذة من تعميم الوقائع التجريبية مباشرة، وحتى بعد أن تدخل الفرض في القرن التالي ظل مردودا أيضا لنفس هذا المصدر: الوقائع التجريبية الملاحظة، من أجل تفسير تعميمها.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٨١