وهب، مرة أخرى، أنه اكتسب خبرة أوسع، وعاش فترة طويلة في العالم تكفي لأن يلاحظ كيف ترتبط الأشياء والاحداث المألوفة معا ارتباطا ثابتا، فماذا عساه أن ينجم عن هذه الخبرة؟ إنه لا يلبث أن يستدل على وجود شيء ما من ظهور الآخر، إلا أنه وبكل الخبرة التي تزود بها، لا يكتسب أبدا أية فكرة أو أية معرفة بالقوة السرية التي عن طريقها ينتج شيء ما شيئا آخر، كلا ولا توجد أية عملية من عمليات التفكير تلزمه بأن يخرج بهذا الاستدلال، لكنه يجد نفسه لا يزال ملزما بأن يستنتج هذا الاستدلال، وعلى الرغم من أنه لا بد مقتنع بأن الفهم لا يلعب دورا في هذه العملية، فإنه مع هذا يظل سائرا في هذا المسار للتفكير، فثمة مبدأ آخر يحتم عليه أن ينتهي إلى مثل هذه المحصلة، هذا المبدأ هو العادة أو الطبع.
26
معنى هذا أنه لا يوجد في العالم الحسي التجريبي، عالم العلم، شيء اسمه العلية، إنها مجرد عادة سيكولوجية تجعلنا نتوقع الاطراد في الحالات المستقبلة، إذا تكرر في الخبرات الماضية، وإذا كانت العلية عادة أو طبعا
Custom or habit ، فلا بد أن يكون وجهها الآخر، أي افتراض الاطراد في الطبيعة، بدوره هكذا، ولا شيء يضمن وجوده فعلا في الطبيعة. وحين نلاحظ الحادثة «أ» تتبعها الحادثة «ب» في أكثر من مرة أو حتى في كل المرات، لا نستطيع القول إن ذلك يحدث لأن «أ» علة معلولها «ب»، وما دامت العلية والاطراد قد ارتدا إلى مجرد عادة سيكولوجية أو طبع، فكل ما نستطيع أن نقوله إن «أ» قد أعقبتها «ب» فحسب، وليس لدينا ما يبرر توقع الحادثة «ب» حين نرى «أ» مرة أخرى، أو أن نفترض قانونا يربطهما، فكل ما في الأمر أن تكرار الخبرات التجريبية أو الانطباعات الحسية يخلق فينا عادة الاعتقاد في قانون. إن معرفتنا بالعالم الخارجي، أو بالأحرى «معتقداتنا» بشأنه من قوانين علية مطردة مجرد عوائد نفسية، وليس ثمة مبرر للزعم بمثولها الفعلي في عالم التجربة الخارجي، وانطلق هيوم في تحليلات سيكولوجية للاعتقاد ولأثر تكرار الانطباعات الحسية، وهي طبعا تحليلات بدائية بالنسبة لعلم النفس اليوم، لكنه يخلص منهما إلى أن العلية والاطراد - مبدأي الاستقراء - هما تكويننا النفسي ولا نملك أن نحيد عنه.
لقد كان هيوم من السائرين في مسار النزعة النفسية التي تنكر استقلال المنطق عن الحياة والنفس، وتحاول رد العلوم والحقائق وكل شيء إلى الحياة النفسية ومكوناتها، وهذا اتجاه قديم يعود إلى ما قبل سقراط، إلى السفسطائي بروتاجوراس حين قال إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا. وسار فيه ميشيل دي مونتاني
M. Montaigne (1532-1592م) داعية الشك المذهبي بغية توطيد الدين والعلم المنزل من الله. ولعل ديفيد هيوم أشد أقطار النزعة النفسية تطرفا، أخرج أول عمل له باسم «رسالة في الطبيعة البشرية»، رغم أنها في المنطق ونظرية المعرفة، وهي تسمية واضحة الدلالة على أن العقل البشري لا ينفصل في رأيه عن الطبيعة البشرية، بل إن العقل على نحو ما معبر عن هذه الطبيعة وثمرة لها.
27
وبالغوص في الدروب النفسية أوضح هيوم أن تكرار الخبرة الحسية التي تقع فيها «ب» بعد «أ» يخلق عادة لتوقع «ب» كلما شوهدت «أ»، في الإنسان وفي الحيوان أيضا، فكما يقول برتراند رسل، الحيوانات المنزلية تتوقع الطعام حين ترى الشخص الذي يطعمها عادة، ولكن أوليس يمكن أن يأتي يوم يطيح فيه برقبة الدجاجة الشخص نفسه الذي اعتادت أن تتلقى منه الطعام كل يوم؟ إذن تكرار الوقائع التجريبية لا يعني شيئا ولا يضمن شيئا، فمن أدرانا أن الطبيعة لن تفعل بنا ذلك في الغد، فتسممنا ثمرة فاكهة اعتدنا أنها شهية.
28
هكذا اتضح أن مبدأي الاستقراء، العلية والاطراد، يقومان على شفا جرف هار، ومردودان إلى عادة سيكولوجية أو طبع، فهل يمكن أن نقيم نسق العلم العظيم الذي علم البشرية المعنى الحق للموضوعية على مجرد عادة سيكولوجية؟! وإذا أخذنا في الاعتبار أننا سنرى في الفصل القادم توا كيف اهتزت أركان الحتمية أيضا، اتضح أمامنا كيف تتفاقم مشكلة الاستقراء، وأصبحت حجة التعميم لا عقلانية! ما دامت لا تقوم على أساس مقبول، لا منطقيا ولا تجريبيا، وأصبح على الجميع - شاءوا أو أبوا - الاعتراف بأن قوانين العلم تفتقر إلى أساس مطمئن وحجة تثبت مصداقيتها، طالما أن القانون العلمي - مهما كان عدد الوقائع التي تؤيده - يتجاوز بعموميته الخبرة التجريبية والمنطق على السواء، حتى إن التأمل في أصول المعرفة العلمية جعل نفرا من الفلاسفة التجريبيين شكاكا أو لا عقلانيين أو متصوفة. لا عجب إذن أن يدين رسل هيوم بأنه المسئول عن الشيزوفرنيا «انفصام الشخصية» التي أصابت التجريبيين العلميين. وعن اللاعقلانية التي تفشت في الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، يقول رسل: